"كلنا عايشين في نفس الدنيا، بس مش بنحسها بنفس الطريقة.. اللي إنت شايفه بسيط، غيرك بيعافر عشان يعديه.. واللي إنت مستصغره لغيرك جبل."
بهذه الكلمات البسيطة والعميقة، نضع أيدينا على واحدة من أهم وأخطر الحقائق النفسية التي تغيب عن بال الكثيرين: "الألم مسألة نسبية جداً".
نحن نشترك في العيش على نفس الكوكب، وربما نمر بنفس الظروف، لكن "سِعتنا العاطفية" (Emotional Capacity) وتاريخنا النفسي يختلفان تماماً. ما يكسر شخصاً قد يمر مرور الكرام على شخص آخر، ليس لأن الأول ضعيف والثاني بطل، بل لأن لكل إنسان معاركه الخفية التي استنزفت طاقته قبل أن يصل إلى هذه النقطة.
إليك تفكيكاً نفسياً لهذه الحالة، وكيف يمكننا أن نكون "ملاذاً" بدلاً من أن نكون "عبئاً" على بعضنا البعض:
1. وهم "المسطرة الواحدة" (The Illusion of a Single Ruler)
أكبر خطأ نرتكبه في علاقاتنا الإنسانية هو الاعتقاد بأن هناك "مقياساً موحداً" لردود الأفعال. نقيس ردة فعل الآخرين بناءً على قدرتنا نحن على التحمل.
يقول علم النفس إن تحمل الضغوط يشبه "حمل الأوزان"؛ رفع وزن 10 كيلوغرامات قد يكون تمريناً سهلاً لشخص يتدرب يومياً، لكنه عبء ساحق لشخص يعاني من كسر في ذراعه. عندما نحكم على ألم الآخرين، نحن غالباً لا نرى "الكسور النفسية" القديمة التي يحملونها، بل نرى فقط الحدث الحالي ونستغربه.
2. النقطة التي أفاضت الكأس (تراكم المعارك الصامتة)
"كل واحد فينا شايل شيلته ومكمل.."
كثيراً ما نتعجب عندما نرى شخصاً ينهار ويبكي بسبب موقف تافه جداً (كأن ينسكب كوب قهوته، أو يتأخر عن موعد لخمس دقائق). نقول له باستنكار: "الموضوع لا يستحق كل هذا الانهيار!".
الحقيقة أنه لا يبكي من أجل كوب القهوة؛ بل يبكي لأن كوب القهوة كان "القشة التي قصمت ظهر البعير". هو ينهار بسبب تراكمات لأيام وأشهر من كتمان الغضب، وكتمان القلق من المستقبل، وكتمان الخوف. الحدث البسيط هو مجرد "صمام الأمان" الذي انفجر ليخرج كل هذا الضغط المتراكم.
3. خطر "الإبطال العاطفي" (Emotional Invalidation)
عبارات مثل: "الموضوع مش مستاهل"، "كبر مخك"، "غيرك بيعاني من مصايب أكبر"، "أنت حساس بزيادة".. كلها تندرج تحت ما يُسمى بـ الإبطال العاطفي.
هذه العبارات، وإن قيلت بنية المواساة، هي في الحقيقة سموم نفسية. إنها ترسل رسالة مبطنة للطرف الآخر مفادها: "مشاعرك خاطئة، أنت تبالغ، وأنت لا تجيد التفكير".
هذا الإبطال يضاعف ألم الشخص؛ فبدلاً من أن يحمل همّ مشكلته فقط، يصبح حاملاً لهمّ المشكلة + الشعور بالذنب لأنه يتألم + الشعور بالوحدة لأن أقرب الناس إليه لم يفهمه.
4. كيف نكون "ملاذاً هادئاً"؟ (فن التراحم)
العالم قاسٍ بطبعه، والتحديات لا تنتهي، كما ذكرت: "العالم فيه تعب يكفي وزيادة". فكيف نتحول إلى ملاذ آمن لمن حولنا؟
- الاستماع للﻔﻬﻢ لا للرد: عندما يشكو لك أحدهم، هو لا يبحث غالباً عن خطة عمل أو حلول عبقرية. هو يبحث عن مساحة آمنة "ليُسمع" دون أن يُحكم عليه.
- إعطاء الشرعية للمشاعر (Validation): بدلاً من "الموضوع مش مستاهل"، قل: "أنا أرى كم أنت متألم، ومن حقك أن تحزن، هذا الموقف فعلاً مرهق". مجرد اعترافك بحقه في الألم يُخفف نصف حمله.
- احترام الاختلاف: تقبّل فكرة أن ما تراه أنت جبلاً، قد يراه غيرك حصاة، وما تراه حصاة، قد يكون للآخرين جبلاً يسد الأفق. احترم مسطرتهم ولا تفرض مسطرتك.
خلف كل وجه هادئ تقابله في الشارع، أو في العمل، أو حتى على مائدة طعامك، هناك "قصة لا تُروى" ومعركة طاحنة تدور في صمت.
لذا، لتكن القاعدة الذهبية في تعاملاتنا: "كُن ليّناً، كُن رحيماً، وتجاوز عن الزلات.. فكل شخص تقابله يخوض معركة لا تعلم عنها شيئاً."
التعليقات