تعتبر قصة فيكي أوميبيج (Vicki Umipeg) حجر عثرة في طريق التفسيرات المادية الصرفة للوعي البشري، فهي ليست مجرد قصة عن "تجربة اقتراب من الموت" عادية، بل هي حالة فريدة تدمج بين "العمى الخلقي" و"الرؤية البصرية الفائقة". ولدت فيكي كفيفة تماما نتيجة تليف خلف العدسة أدى لضمور كامل في العصب البصري، مما يعني أنها عاشت 22 عاما دون أن تملك أدنى تصور ذهني لما تعنيه الألوان، الأشكال، أو الأبعاد البصرية، فالعالم بالنسبة لها كان مزيجا من الأصوات، الملامس، والروائح فقط.
في عام 1973، تعرضت فيكي لحادث سيارة أليم أدى لنقلها إلى المستشفى في حالة حرجة، وهناك، وبينما كان جسدها يصارع الموت سريريا، حدث ما لا يمكن للمختبرات تفسيره.
وصفت فيكي لاحقا أنها شعرت بانفصال مفاجئ عن جسدها، لتجد نفسها تطفو بالقرب من سقف غرفة العمليات. في تلك اللحظة، ولأول مرة في حياتها، "رأت" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وصفت رؤية جسدها ملقى على الطاولة، وعرفت أنه جسدها من خلال خاتم زواجها الذي لمسته آلاف المرات لكنها لم تره قط، وصفت لمعان الأدوات الطبية، وتحركات الأطباء، بل ووصفت بدقة "الضوء" الذي لم يسبق لعصبها البصري الضامر أن نقله إلى دماغها.
لم تكن هذه الرؤية مجرد تخيلات مشوشة، بل كانت رؤية بانورامية بزاوية 360 درجة، حيث استطاعت استيعاب الهندسة المكانية للغرفة بدقة لا يمكن لشخص كفيف خلقيا أن يبتكرها من مخيلته، لأن مخيلته ببساطة تفتقر ل "قاعدة بيانات" بصرية ليبني عليها.
بعد عودتها للحياة، خضعت فيكي لمقابلات دقيقة مع الباحث كينيث رينج، حيث قدمت أوصافا فيزيائية لبيئة المستشفى وأشخاص غادروا الغرفة، وهي تفاصيل تم التحقق من صحتها لاحقا. إن جوهر الغرابة هنا يكمن في أن "القشرة البصرية" في دماغ فيكي لم يتم تدريبها أبدا على معالجة الصور منذ ولادتها، ووفقا للطب المادي، فإن الدماغ الذي لا يتلقى إشارات بصرية في سنواته الأولى يفقد القدرة على "الرؤية" حتى لو تم إصلاح العين لاحقا.
ومع ذلك، في اللحظة التي توقفت فيها وظائف الدماغ أو تضاءلت للحد الأدنى أثناء الموت السريري، تحرر وعيها ليعمل بكفاءة بصرية تفوق المبصرين أنفسهم.
هذا التناقض يضعنا أمام مواجهة مباشرة مع فرضية أن الوعي ليس مجرد "منتج ثانوي" للنشاط الكهربائي في الدماغ، بل هو كيان قادر على الإدراك بشكل مستقل عن الحواس البيولوجية حين تتحقق ظروف معينة.
سؤال موجه إلى العقول المادية:
إذا كان الوعي، هو مجرد "إفراز" ناتج عن تفاعلات كيميائية وكهربائية داخل المادة (الدماغ)، فكيف لوعي "سكن" في دماغ لم يعرف الضوء قط، ولم يمتلك عصبا بصريا وظيفيا طوال حياته، أن ينتج صورا بصرية مطابقة للواقع الفيزيائي في لحظة تعطل فيها "المحرك المادي" نفسه؟
كيف يفسر المنطق المادي رؤية "الخاتم" و"الضوء" و"الأبعاد المكانية" من قبل شخص لا يملك في ذاكرته البيولوجية أي تعريف لهذه المفاهيم؟ هل يمكن للصور أن تظهر على شاشة معطلة، أم أن المصدر الحقيقي للصورة موجود خارج الشاشة تماما؟
التعليقات