«لا نمارس حياتنا بحرية أو اختيار كما نتوهم، وإنما يتحكم في أفعالنا ديون قديمة من احتياجات لم تُسدد، وآلام لم تشفى» د. عماد رشاد عثمان «بتصرف»

في سلسلة التحرر من الماضي، ناقش د. عماد صدمات الماضي، وتأثيرها على الحاضر، وكيفية التحرر منها والمضي قدمًا نحو التعافي..

وفي المحاضرة الأولى ناقش المحاضر نقطتين شديدتا الأهمية والخطورة ..

أما الأولى فكانت عن الألم، وكيف أن الألم الذي لا يستطيع صاحبه أن يسرده في قصة يتبين منها:

1- موقعه من هذا الألم

2- فهم لماذا حدث ذلك؟

3- ما هي تبعاته ودلالاته؟

4- كيفية العلاج منه؟

5- ما هي تأثيراته؟

يتحول حينها هذا الألم إلى هوية للإنسان، يعيش بها ومن خلالها، فإن خرج من دائرة الألم شعر بالغربة، والضياع.

وتباعًا لهذا فإنه لا يكتفي بألم الماضي، بل إنه ومع كل علاقة جديدة يعيد تشكيل نفس الألم - بشكل غير واعي أو مقصود- بصور متنوعة ليتحول إلى المتألم المخذول من الجميع على الدوام ...

وحين نتفكر قليلًا في الأمر سنجد أن التنصل من مسؤولية التعافي، والغرق في دور الضحية والبكاء على الأطلال لهو أسهل وأيسر من السير في طريق مجهول سيتطلب من السائر فيه القيام بالكثير والكثير في سبيل التعافي والوصول لبر الأمان.

ولماذا كل هذا العناء!!

فلنجلس على الأريكة، ونتغنى بما مررنا به من صعاب وآلام وعذابات، فنكسب تعاطف الجميع من جهة، ونتنصل من مسؤولية التعافي أو من أفعال وواجبات تسند إلينا من جهة أخرى.

انتقل المحاضر في الجزء الثاني من المحاضرة لتساؤل غاية في الأهمية، وهو متى يمكن أن نعتبر ما مورس علينا إساءة؟

فهل يمكن المساواة بين الأفعال البسيطة والغير مقصودة أو ربما غير المؤذية بشدة، وبين تلك الأفعال القاسية والنابعة من غضب وغل شديدين لدى فاعلها؟

وللإجابة على هذا السؤال الخطير كان لا بد من التأكيد على أنه من المستحيل أن نجد علاقة فيها تمام الاتصال والانصهار.

فكل علاقة على وجه الأرض بها فجوة بين أطرافها لا يُمكن بأي شكل عبورها. وكلما زادت هذه الفجوة كلما زاد الاغتراب بين الأطراف جميعا.

وبلا شك ينطبق هذا على علاقة الآباء بالأبناء.

بناء على هذا فمن الطبيعي إذًا أن نجد بعض الحرمان والنقص والافتقار في علاقة الأباء بأبنائهم.

تخيل معي بأن هناك طفلًا قام أهله بإشباع جميع جوانبه الشخصية تماما، فلم يعد لديه نقص أو افتقار لشيء معين، ما الذي سيدفع هذا الطفل للرغبة والتحرك مستقبلًا؟

بمعنى آخر

النفس البشرية تتحرك حين تتوق إلى شيء ما، فإن لُبيت جميع رغباتها ومتطلباتها، واشبعت جميع حرماناتها في الطفولة ما الذي سيحركها مستقبلًا؟ لا شيء.

أضف إلى ذلك أن الإشباع المفرط من أكبر مسببات الاكتئاب؛ حيث أن الاكتئاب هو انعدام الرغبة في شيء، وبالتالي:

طفل مشبع في الطفولة بإفراط هو شاب غير راغب في شيء فمكتئب لافتقاده لوجهة أو هدف ما يسعى إليه ..

(إن لي نفسا تواقة، وما حققت شيئا إلا تاقت لما هو أعلى منه. تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة فتزوجتها. ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة. فأرجو أن أكون من أهلها «عمر بن عبد العزيز»)

ونستنتج من هنا أن هنالك درجة من الحرمان في علاقة الأباء والأبناء تعد حرمانًا طبيعيًا بل ومشكلًا لشخصية الإنسان .. وهو ليس مؤثرًا أو معطلًا للإنسان عن أداء وظائفه الحياتية والحيوية

ومن أمثلة هذا الحرمان الطبيعي: كل ما تريده لا يمكن تحقيقه بسبب نقص المال على سبيل المثال، أو النوم المبكر رغم رغبتك في اللعب، الأدوية والحقن، الأب الصارم، القيام بأمور لا تحبها لأنها واجبة ومفيدة لك ... وما على شاكلة هذه الأمور

ومع زيادة هذه الدرجة بنسبة قليلة تحدث تأثيرات في شخصية الإنسان، ولكنها تظل تأثيرات طفيفة غير معطلة للإنسان عن وظائفه في الحياة، ويمكن معالجتها بالتثقيف النفسي والسعي.

وهنا نتحدث عن حرمانات ( كالحرمان من نظرة فخر أو تعاطف، أو حرمان من ثقة وقبول) وما على شاكلة ذلك.

ثم ومع زيادة نسبة الحرمان بشكل أكبر نصل للحرمانات المؤذية والمدمرة والتي تكون مؤثرة ومعطلة للإنسان عن وظائفه في الحياة، وتجعله يتأثر في العلاقات بشكل كبير. وهذه الحرمانات تطلب العلاج النفسي والاستعانة بالمساعدة من قبل المختصين ..

وبالاطلاع على هذين المحورين، مع إعادة سرد قصة الحياة وقراءتها بشكل مختلف يمكن للمرء حينها رؤية ألمه بصورة مختلفة وإدراك أن الألم ليس مسوغا للتنصل من مسؤولية التعافي. ثم وبصورة ما يستطيع أن يفرق بين ما هو إساءة بالفعل، وبين ما يدخل في نطاق الحرمانات الطبيعية، فيدرك المرحلة أو الدرجة التي يقف عندها، ثم يستطيع بعدها تحديد الطريق الذي يحتاج إلى السير فيه للتعافي..

وعلى الرغم من أنني ذكرت تقريبًا جل ما ذُكر في المحاضرة، إلا أنني أحبذ أن تستمع لها ولأخواتها بنفسك؛ لما لهذا من تأثير إجابي على طريقك في التعافي .. (ستجد الرابط في التعليقات)

أما عن نفسي فأستابع الاستماع ومشاركة ما فهمته من المحاضرات هنا على حسابي، فإن كنت تحب الاطلاع على خواطري وتأملاتي فليس عليك سوى متابعتي ..

وإن وصلت إلى هنا فأشكرك على صبرك .. وأرجوك أن تشاركني ولو بكلمة تزيد من همتي وتطرد الفتور والكسل عني

والسلام