ما وراء الحدث | تحليل سياسي

مع استمرار تحليلنا المتسلسل لأحداث المنطقة، نصل اليوم إلى الحدث الثالث والأكثر حساسية في سياق إعادة تشكيل الشرق الأوسط: سقوط نظام بشار الأسد.

لقد شكّل نظام الأسد لعقود طويلة حجر الزاوية في ما عُرف بمحور المقاومة، وكانت الأراضي السورية تمثل تحديًا استراتيجيًا لإسرائيل، ليس فقط لكونها حدودًا مباشرة، بل لأنها تحولت إلى مركز نفوذ إيراني متعدد الأذرع:

قواعد عسكرية إيرانية نشطة على الأراضي السورية.

نقاط انتشار لحزب الله اللبناني وقياداته البارزة.

تواجد قادة فلسطينيين بارزين، خصوصًا من حركة حماس، تحت حماية النظام.

شبكة لوجستية متكاملة لتمرير الأسلحة والصواريخ إلى جنوب لبنان عبر سوريا.

لكن مع انتهاء الحرب السورية وبدء مرحلة إعادة التموضع الإقليمي، برزت محاولات جدية لدمج النظام السوري ضمن المنظومة العربية الجديدة. فتحت السعودية سفارتها في دمشق، وأُعيد مقعد سوريا في الجامعة العربية، وكان من الواضح أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة.

غير أن الأسد فشل في قراءة التحول التاريخي. تجاهل نصائح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأدار ظهره لمساعي التقارب مع تركيا رغم محاولات الرئيس رجب طيب أردوغان فتح قنوات الحوار. اختار الجمود بدل المبادرة، والتردد بدل الحسم.

والأخطر أنه لم يُدرك دلالة اغتيال السيد حسن نصر الله، والذي مثّل إعلانًا غير مباشر بانتهاء مشروع "محور المقاومة" كمنظومة إقليمية. كانت الرسالة واضحة: لا أحد محصّن.

مصادر مقربة من النظام تحدثت عن ارتباك واضح في قرارات الأسد، وتردد عميق في اتخاذ أي موقف استراتيجي يتماشى مع المتغيرات. بدا وكأنه يراهن على أن القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لن تسمح بتكرار سيناريو العراق في سوريا.

لكن ذلك الرهان كان خاطئًا... بل قاتلًا.

القرار أُخذ بإسقاط النظام. غرور الأسد السياسي وافتقاده لمرونة القائد القادر على التكيف مع التغيرات العميقة، أديا في النهاية إلى عزله بالكامل. تخلى عنه الجميع: الحلفاء قبل الخصوم.

سقط النظام... وسقط معه فصل طويل من تاريخ الصراع في المنطقة.

تابعونا في التحليل القادم، حيث نواصل فك رموز المشهد، بحثًا عن الحقيقة خلف العناوين.

شاركنا رأيك... لنكشف معًا ما وراء الحدث.