تُعَدُّ الخرافات جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمجتمعات، ولا سيّما في المغرب، حيث تتداخل الأسطورة مع الواقع، وتمتزج الحكاية الشعبية بالمعتقد اليومي لتشكّل نسيجًا ثقافيًا غنيًّا ومعقّدًا في آنٍ واحد.
1. الخرافة بوصفها مرآة للوعي الشعبي
في الثقافة المغربية، لا تقتصر الخرافة على مجرد حكاية تُروى قبل النوم، بل هي تمثيل رمزي لمخاوف الإنسان، وتعبير عن رغباته الدفينة، ومحاولة لفهم العالم حين تعجز التفسيرات المنطقية عن الإقناع.
فـ"حاكوزة"، على سبيل المثال، ليست فقط امرأة خرافية تأكل الأطفال، بل تجسيد للخوف من المجهول، ومن الظلام، ومن العقاب الأخلاقي الذي يُفرض على الطفل عندما يعصي أوامر الكبار.
2. أنواع الخرافات المتداولة في المغرب
تتنوع الخرافات المغربية بحسب المناطق، لكن من أشهرها:
- حاكوزة: مخلوقة خيالية تُهدَّد بها الأطفال إذا رفضوا النوم أو الطعام، توصف بأنها تأتي في الليل وتخطف الأطفال المشاغبين.
- عيشة قنديشة: شخصية نسائية غامضة، نصفها إنسان ونصفها جنيّة، تظهر ليلاً وتغوي الرجال في الطرق المهجورة.
- الغول: كائن مفترس يعيش في الجبال أو الكهوف، يُروى أنه يهاجم من يتوه في البراري، ويقال إنه يتشكل بأشكال بشرية مخادعة.
- الندّاهة المغربية: يُقال إن أصواتًا غريبة تنادي الناس بأسمائهم في الخلاء أو قرب الأودية ليلاً، ومن يتبعها يضيع أو يُصاب بالجنون.
3. الخرافة وسيلة للضبط الاجتماعي
من الناحية الاجتماعية، لم تكن الخرافات مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت أداة غير مباشرة لضبط السلوك، خصوصًا عند الأطفال. فالخوف من "حاكوزة" أو "عيشة قنديشة" كان يمنع الطفل من الخروج ليلًا، أو يدفعه لطاعة الأوامر، أو يعلمه الحذر من الغرباء.
4. تحوُّل الخرافة في العصر الحديث
رغم تطور المجتمعات وتقدُّم وسائل المعرفة، لا تزال بعض الخرافات حاضرة في المخيال المغربي، وإنْ تغيّرت أشكالها أو وظائفها. فبعضها أصبح جزءًا من الفولكلور، والبعض الآخر أعيد إنتاجه في المسلسلات، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن بعض الشباب باتوا يتناولونها بسخرية أو فضول ثقافي، بينما ما زالت تُؤخذ على محمل الجد في الأرياف أو عند بعض الفئات.
5. الخرافة كجزء من الهوية
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل الخرافة عن هوية الشعب المغربي. فهي تعبير عن تاريخ طويل من التفاعل بين الإنسان والطبيعة، بين المعلوم والمجهول، بين الدين والعادات، بين الذاكرة الجماعية والتجربة الفردية. وربما في الاحتفاظ ببعض هذه الخرافات، نوعٌ من التمسّك بالجذور، رغم كل التحولات.
خاتمة:
تبقى الخرافات المغربية، رغم غرابتها أحيانًا، مادةً غنيةً للتأمل والدراسة، لأنها تكشف عن عمق العقل الشعبي، وتُعبّر عن توازن دقيق بين الخوف والإيمان، بين الوهم والحقيقة. وإذا كانت بعض الشعوب قد نسيت أساطيرها، فإن المغرب ما زال يحتفظ بخرافاته كأنها جزء من القلب، لا من الذاكرة فقط