أتذكر في المرحلة الابتدائية في حصة التربية الدينية، كيف كان يسرد لنا المعلم قصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل.

كيف كان يتجول بين المقاعد ويحرك يديه بانفعال مسرحي وكأنه يجسد الأحداث. يتلون صوته، وترتفع وتنخفض نبرته، مجسداً لنا كل الانفعالات ويجعلنا نرى القصة بآذاننا مثلما نراها في حركاته والتفافاته.

وعندما وصل للنقطة التي يقول فيها سيدنا إبراهيم لابنه "إني أرى أني أذبحك"، فيرد إسماعيل عليه السلام: "يا أبتِ افعل ما تؤمر".

ثم ينظر لنا موجهًا كلامه: "أرأيتم طاعة الابن؟ لو أن والد أحدكم أخبره بأنه سيذبحه، لرددتم بوقاحة متهمين إياه بالجنون أو الشذوذ النفسي" - يقولها مقلداً الطريقة الوقحة التي يتوقع أن ننطق بها - "بينما سيدنا إسماعيل، الابن المطيع البار، قال لأبيه: 'يا أبتِ افعل ما تؤمر' ولم يعترض".

وهكذا، تجاهل المعلم الإشارة الواضحة والمعنى في "يا أبتِ افعل ما تؤمر"، وكيف تشير لطاعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لله، ويجعل الحادثة بأكملها دليلاً على فضيلة طاعة الوالدين حتى في إنهاء الحياة ودون السؤال عن سبب.

وأنا أتذكر هذا الموقف وأضحك، إذ ذكرتني بدور حسن البارودي الذي أتقنه في فيلم "الزوجة الثانية"، دور فقيه السلطان الذي يستخرج من النص ما يوافق هوى سيده، لدرجة استخدام آية "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ليقهر أبا العلا الضعيف المغلوب، ويصور له أن طاعة العمدة الظالم ترضي الله.

وإن كان موقف رجل الدين الفاسد مفهوماً، فهو منتفع من العمدة ومدين له بمنصبه. فلماذا وجدت تشابهاً بين طريقة تفكير ذلك المعلم - برغم اختلاف الدرجة - وبين فقيه السلطان في ذلك الفيلم الشهير؟

بطبيعة الحال، ليس خلف ذلك المعلم أي جهة، وهو لا ينافق شخصاً معيناً بتفسيره ذلك. ربما هو متأثر بثقافته، أو اعتقد بحكم سنه أنه "أب"، وبالتالي رأى في القصة ما يريده هو لنفسه: طاعة مطلقة من أبنائه. ليس ليؤذيهم، بل لأن الطاعة المطلقة، أياً كان طريق استخدامها، لا بد أنها صادفت هوى في نفسه.

ولا أعلم لماذا نقصر تصور استغلال الدين، أو أي تفسير أو تفكير منحاز، على الأشخاص الذين يعملون بالفتوى أو الكتابة أو الإعلام. أعتقد أنها إحدى الميول البشرية السيئة المشتركة بيننا كبشر.