بعد خمس سنوات من تدريس مادة فن كتابة السيناريو لطلاب كلية الاعلام أستطيع أن أقدم لكم بعض الأسرار والفنيات في كتابة السيناريو ومنها:

القاعدة التي يجب أن تُكسر بعد أن تُفهم

في كتابة السيناريو، لا تُكتب القواعد بدافع التضييق، بل بدافع الحماية. هي أشبه بحواجز على طريق سريع؛ قد تبدو مزعجة، لكنها وُضعت لأن من تجاوزها قبلك دفع الثمن. السيناريست المحترف لا يبدأ بالتمرّد، بل بالفهم. يعرف المعيار، يحفظه، ثم يختار اللحظة المناسبة لتجاوزه بوعي. ولهذا فإن فهم طول السيناريو، وتقسيمه الزمني، ليس مسألة تقنية، بل قرار استراتيجي يحدد إن كانت قصتك ستُشاهد… أم ستُهمل.

طول السيناريو والاتفاق غير المعلن

السيناريو السينمائي، المكتوب بخط Courier بحجم 12 نقطة، يتحرك ضمن نطاق شبه مقدّس: بين تسعين ومئة وعشر صفحات. كل صفحة تمثل تقريبًا دقيقة واحدة على الشاشة، وكأن الزمن نفسه وافق على هذا العقد. فيلم بطول تسعين صفحة يمنح صُنّاع العرض مساحة للإعلانات، ويمنح الجمهور تجربة مكثفة بلا ترهّل. تجاهل هذا الإطار قد يكون فعلًا فنيًا، لكنه غالبًا يُقرأ كجهل بالسوق. أفلام مثل Se7en أو Jaws لم تُصبح خالدة لأنها فقط مكتوبة جيدًا، بل لأنها احترمت زمن المتفرج بصرامة.

الفصل الأول: لحظة الإمساك بالانتباه

الفصل الأول هو المصيدة. مدته تقارب ثلاثين صفحة، وهو الأقصر زمنيًا، لكنه الأخطر تأثيرًا. هنا تُعرّف عالمك، وتكشف بطلَك، وتزرع الخلل الأول الذي لن يُصلح إلا في النهاية. نقطة التحول في هذا الفصل، بين الصفحة الخامسة عشرة والخامسة والعشرين، هي اللحظة التي لا عودة بعدها. في The Matrix، لم يكن الاختيار بين الحبتين مجرد مشهد، بل إعلانًا رسميًا بدخول نيو إلى حرب لا يفهم قوانينها بعد. إن فشل هذا الفصل، فلن تُمنح فرصة ثانية.

الفصل الثاني: منطقة الاستنزاف والتحوّل

الفصل الثاني هو أطول الفصول وأكثرها خطورة. يمتد لنحو ستين صفحة، وفيه يظن كثير من الكُتّاب أنهم أحرار، بينما هم في الحقيقة تحت المجهر. هنا يُختبر البطل، لا مرة واحدة، بل مرارًا. نجاحات مؤقتة، ثم إخفاقات أشد قسوة. في The Dark Knight، نرى باتمان يعتقد أنه يسيطر على الفوضى، لكن الجوكر لا يهزمه بالقوة، بل بتغيير قواعد اللعبة. نقطة التحول الثانية، قرب الصفحة الثمانين، هي الانكسار الحقيقي، اللحظة التي يدرك فيها البطل أن الحل القديم لم يعد صالحًا.

الفصل الثالث: الحساب الذي لا مفر منه

الفصل الثالث في السيناريو يعيد التوازن. هو بنفس طول الفصل الأول تقريبًا، لكنه محمّل بالنتائج. كل خيط زرعته سابقًا يجب أن يُسحب الآن. هنا لا مكان للإطالة أو الاستعراض. في Gladiator، لا تنتهي القصة بموت الخصم فقط، بل بتحقيق المعنى الذي قاتل البطل من أجله. هذا الفصل لا يُقاس بعدد الصفحات، بل بمدى الإشباع النفسي الذي يتركه.

المشهد: وحدة الصراع الدقيقة

المشهد هو نبضة القلب. غالبًا لا يتجاوز ثلاث صفحات، أي ثلاث دقائق على الشاشة. إذا طال أكثر، يجب أن يكون ذلك لسبب قاتل. المشاهد الطويلة التي تُنسى هي عبء، أما المشاهد الطويلة التي تُتذكّر فهي استثناء نادر. مشهد الاستجواب الافتتاحي في Inglourious Basterds استمر طويلًا، لكنه عمل لأنه بُني على توتر متصاعد لا يسمح للمشاهد بالتنفس.

التسلسل: قصة داخل السيناريو

التسلسل هو مرحلة كاملة من الرحلة، تمتد بين عشر وخمس عشرة صفحة، وتحتوي عدة مشاهد تخدم هدفًا واحدًا. هو قصة مصغّرة ببداية ووسط ونهاية. في Rocky، تسلسل التدريب لم يكن استعراض عضلات، بل إعلانًا عن ولادة شخصية جديدة، أكثر انضباطًا وإيمانًا بذاتها. التسلسل الجيد يدفع القصة للأمام دون أن يشعر المشاهد بأنه انتقل إلى فصل منفصل.

الخاتمة: السيطرة على الزمن هي السيطرة على الجمهور

هذه الإرشادات ليست قيودًا، بل أدوات نفوذ. من يفهم إيقاع الزمن، يفهم النفس البشرية. السيناريو الناجح لا يُراكم الصفحات، بل يُحكم توزيعها. وحين تُمسك بالزمن، تُمسك بالمشاعر، وحين تُمسك بالمشاعر… تضمن أن قصتك ستُروى، وتُشاهَد، وتبقى.