قصة الطوابي: من البارود إلى التاريخ

قصة الطوابي: من البارود إلى التاريخ

حين تسير على شواطئ الإسكندرية، وتتأمل تلك الكتل الحجرية الصامتة المطلة على البحر، قد تتساءل: ما هذه البنايات القديمة التي تقف كالحراس على امتداد الساحل؟ تلك يا صديقي هي الطوابي، شواهد تاريخية لا تحكي فقط عن زمن المدافع والبارود، بل تحكي أيضًا عن خوف وإصرار وحلم بالنجاة.

  • الطابية.. حارس البحر القديم

كلمة "طابية" تعني في الأصل التحصين العسكري أو الحصن الصغير، وكانت تبنى عادةً من الحجارة الضخمة، لتكون متينة تتحمل ضربات المدافع والرياح العاتية القادمة من البحر. ولم تكن مجرد جدران صامتة، بل كانت الطابية أشبه بـ"الحارس الليلي" الذي لا ينام؛ تراقب الأفق البعيد، تنتظر أي سفينة غريبة قد تقترب، لتُطلق النيران دفاعًا عن المدينة.

الإسكندرية تحديدًا كانت مدينة الطوابي بامتياز، لأنها كانت خط الدفاع الأول عن مصر من جهة البحر المتوسط؛ لذلك تجد الطوابي متناثرة على طول الساحل: عند رأس التين وفي المكس وأبو قير وحتى في الشرق حيث قامت طوابٍ أصغر لحماية الثغور.

  • الطوابي وحروب التاريخ

من أبرز لحظات الطوابي في التاريخ، ما جرى في الحملة الفرنسية عام 1798م، ثم في معركة الإسكندرية ضد الأسطول الإنجليزي عام 1882م، حين قصفت المدافع البريطانية شواطئ الإسكندرية بشكل عنيف، وكانت الطوابي آنذاك واقفة بكل صمود، ترد الطلقات رغم الفارق الكبير في القوة بين مدافعها القديمة ومدافع الأساطيل الحديثة. صحيح أن معظم الطوابي لم تصمد طويلًا أمام القصف الحديث، لكنها كتبت صفحة بطولية في سجل الدفاع عن المدينة.

  • معمار الطوابي.. بين الفن والهندسة

قد تبدو الطابية للوهلة الأولى مجرد كومة من الأحجار، لكن إذا اقتربت منها ستكتشف ذكاء المعمار العسكري وتجد أن جدرانها سميكة جدًا وأنها بُنيت بزاوية تسمح بارتداد القذائف. وفتحات المدافع وُزعت بطريقة تغطي كل اتجاهات البحر، وبعض الطوابي كانت تضم مخازن للذخيرة وأماكن لإقامة الجنود وساحات صغيرة للتدريب. وقد كانت الطابية تُصمم بحيث تخدم هدفًا محددًا وهو إبطاء أي غزو بحري حتى تصل النجدة من الداخل.

  • الطوابي.. ذاكرة على شاطئ البحر

اليوم، لم تعد الطوابي تُطلق النيران، ولم يعد الجنود يحرسونها، لكنها تحولت إلى ذاكرة مفتوحة تروي قصصًا لمن يريد أن يسمع. ففي طابية قايتباي -مثلًا- يمكنك أن تقف أمام البحر وتشعر بنفس الشعور الذي عاشه الجندي الذي راقب الأفق منذ مئات السنين. وفي طوابي الماكس أو كوسا باشا أو أبو قير، سترى كيف تلاشت أجزاء منها، لكنها ما زالت تقف شامخة في صمت، لتقول: "أنا هنا.. كنت الدرع الذي حمى الإسكندرية يومًا ما".

  • ما بين الماضي والحاضر.. بوابة إلى الاستدامة

الطوابي ليست مجرد أطلال يجب أن تُترك للزمن، بل هي كنوز تاريخية ينبغي استعادتها إلى قلب الحياة الثقافية والسياحية. وهنا يظهر الرابط مع الاستدامة:

البعد البيئي: إعادة ترميم الطوابي باستخدام مواد وأساليب تحافظ على البيئة يضمن بقاءها للأجيال القادمة دون تدمير لمواردنا الطبيعية.

البعد الاقتصادي: تحويل الطوابي إلى مواقع جذب سياحي وثقافي يمكن أن يخلق فرص عمل ويضيف قيمة اقتصادية للمدينة.

البعد الاجتماعي والثقافي: الطوابي تحمل ذاكرة جماعية والاهتمام بها يعني تعزيز الهوية الوطنية وربط الأجيال الجديدة بتاريخها، وهو جوهر التنمية المستدامة التي تسعى لتحقيق توازن بين الماضي والحاضر والمستقبل.

تخيل لو أعيد ترميم الطوابي، وأقيمت حولها مسارات سياحية خضراء ومتاحف صغيرة تعتمد على الطاقة النظيفة ومراكز للتوعية بتاريخ الإسكندرية العسكري. حينها لن تكون الطوابي مجرد بقايا حجرية، بل ستكون رمزًا للاستدامة: تذكّرنا أن حماية الحاضر لا تكون إلا بفهم الماضي وبناء المستقبل لا يكتمل إلا بحفظ التراث.

بقلم: م. محمد فتوح

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش