النظرة المتأمِّلة في تاريخ قيام الدول والممالك تلاحظ أن هناك دائمًا شخصية تكون محل جدل، وتشعر معها بالحيرة: هل المفترض أن تكرهها لأعمالها اللاإنسانية، وسفكها للدماء، وربما تطاولها على المقدسات؟ أم تلتمس لها العذر لدورها في قيام الدولة، ودعم أسسها، والقضاء على الأعداء والمتربصين؟
خاصة في فترة التأسيس الأولى، التي تكون فيها الدولة ما زالت ناشئة، ومحاطة بالكثير من الأعداء، سواء من الخارج أو من داخلها نفسها، من فلول الأنظمة أو الدولة السابقة، أو المنتفعين، أو الحاقدين، أو الخونة... إلخ.
والأمثلة كثيرة...
الحجاج بن يوسف الثقفي
من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ الأموي، بالرغم من نشأته الدينية، حيث كان مُحفّظًا للقرآن في بلدته وعشيرته، إلا أنه، باتصاله بالأمويين، بدءًا من عبد الملك بن مروان (المؤسس الحقيقي للدولة الأموية)، وحتى زمن الوليد بن عبد الملك — وهي الفترة الذهبية للحجاج — بدأ التحوّل في شخصيته وتأثيره في الدولة، وزاد نفوذه، وتوسّعت سطوته.
وبالرغم من تاريخه الحافل بالدماء والضحايا، إلا أننا يجب أن نتوقف عند دوره في قيام الدولة الأموية، حيث إن الناظر والمدقق في التاريخ الأموي سوف يجد أن السبب الرئيسي لقيام الدولة هو سيف الحجاج، ولا شك.
فهو من قضى على عبد الله بن الزبير بعد أن كاد ينفرد بالخلافة، وقد بويع له من قبل معظم الأمصار الإسلامية عدا الشام، فخرج له الحجاج واستطاع الانتصار عليه ومحاصرته، حتى إنه قصف الكعبة بالمنجنيق عندما تحصن بها ابن الزبير، في سابقة لم تحدث في التاريخ الإسلامي.
وهو كذلك من وطّد الأمر للأمويين في العراق، وبالذات الكوفة، موطن الخوارج والثورات.
ولعل خطبته فيهم يوم وصوله ما زالت تُضرب بها الأمثال في السيطرة والتهديد، عندما توعّدهم بأن من يأمره بالخروج من باب المسجد هذا، وأشار إلى أحد الأبواب، فيخرج من باب آخر، فسوف يضرب عنقه من فوره.
وبالفعل، نجح في السيطرة على العراق، واستطاع أن يسوس أهلها، فلم تقم ثورة منها طوال فترة وجوده فيها.
أبو مسلم الخراساني
كان له الدور الأكبر في تأسيس الدولة العباسية، وإنهاء الحكم الأموي، حتى إنه استطاع إسقاط الدولة الأموية خلال فترة وجيزة، حوالي 3 سنوات من إعلانه الثورة المسلحة على الأمويين، واستطاع القضاء على معظم المناوئين للعباسيين، ونشر الدعوة العباسية.
وكما كان الحال مع الحجاج، فقد ارتبط اسم أبي مسلم الخراساني بالقسوة والبطش وسفك الدماء.
سؤال تاريخي:
هل قيام الدول وإنهاء الدول السابقة لها يحتاج إلى مثل هذه الشخصية؟
حيث إن الدفع بأن إنهاء سيطرة دولة على مقاليد الحكم، والقضاء على أتباعها، يحتاج إلى شخصية حازمة إلى درجة القسوة، ومستعدة لسفك الدماء لمجرد الشك.
وذلك لأن الفترة بين سقوط دولة وقيام أخرى تختلط فيها الأمور، وتتداخل فيها المصالح، ويكثر بها الطمع، والتعامل الهادئ المتريّث ربما يشجّع الطامعين، ويثير أحقاد وأحلام المناوئين.
ولذا، القسوة والشدة تكون مطلوبة في مرحلة التأسيس، لحين استتباب الأمر، واستقرار دعائم الدولة، وقطع الشك باليقين.
سؤال تاريخي آخر:
هل يُعتبر الحجاج بن يوسف وأبو مسلم الخراساني امتدادًا لمدرسة خالد بن الوليد في استخدام الشدة وربما القسوة في بعض الأحيان، وذلك لتحقيق غاية أسمى، وهي حفظ الدولة من الانشقاق، وتحقيق هيبتها أمام الأعداء، سواء البيزنطيين أو الفُرس، وبالتالي حفظ الدين؟
رغم التشابه في الشدة والصرامة الظاهرتين في المواقف، إلا أنه يجب التفريق بين:
خالد بن الوليد كان في سياق حروب عقائدية مباشرة، وكانت الشدة موجهة ضد العدو الظاهر.
أما الحجاج وأبو مسلم، فقد مارسا القمع والشدة ضد المعارضين والمختلفين معهم بشكل واسع، حتى وإن كان المعارضون من أهل الصلاح والقرآن.
ولنا في موقف الحجاج من سعيد بن جبير في آخر أيامه، مثال واضح على أن اتخاذ القسوة منهجًا في الحفاظ على الدولة ليس هو السبيل الصحيح، حتى ولو كانت محاطة بالأعداء، لأن طريق الدماء سوف يورّث الظلم في النهاية، واستقرار الدولة سيكون مرهونًا بالأشخاص، وهذا ليس استقرارًا حقيقيًا للدولة.
في الختام
ولعلنا، في ضوء التجارب المعاصرة، يلزمنا إعادة التفكير في جدوى منهج القوة مقابل بناء دولة على أسس من العدل والمؤسسات، لا على الأشخاص.