لم يرد ذكر بعض مناطق المغرب القديم خاصة نوميديا في كتابات المؤرخين القدماء إلا في سياق الحديث عن الحروب التي شارك فيها النوميديون سواء الحروب البونية الثلاثة أو الحروب الرومانية التي دارت رحاها في المغرب القديم وخارجه.

ويمكن تحديد هذه المنطقة جغرافيا بتلك المنطقة الممتدة من طرابلس إلى المغرب الاقصى على طول الساحل والتل الافريقي، الذي هو يمثل الأرض الخضراء التي تتسع أحيانا وتضيق مره أخرى، وذلك تبعا للظروف السياسية ومنطق القوة الفاعلة في المنطقة.

وقد تميزت بمناخ معتدل يجعله صالحا ليسكنه الانسان منذ عهود موغلة في غياهب ما قبل التاريخ بل هناك من الباحثين من لا يستبعد أن تكون منطقة عين حنش بالجزائر الحالية هي مهد أول استقرار بشري في منطقة شمال إفريقيا.

وقد عمرت هذا الحيز الجغرافي منذ أقدم العصور فسيفساء بشريه متنوعة جابت كامل أرجاءه من أقصى شرقه الى أقصى غربه ومن المحيط الساحلي الشمالي إلى الأراضي ومن المحيط الساحلي الشمالي الى الأراضي الصحراوية في الجنوب.

وكان الإغريق هم أول من أطلق تسمية "نوماداس Numadas" على سكان هذه المنطقة، والذي يعني المتنقلون أو المرتحلون، وذلك لأنهم كانوا دائمي الترحال.

إذ أود المؤرخ والجغرافي الإغريقي سترابون وصفا للمنطقة جاء فيه: "يمتلك النوميديون أراضي جد خصبة، ولكنها مليئة بالحيوانات المتوحشة التي أعاقتهم على ممارسة الزراعة والاستقرار، فتركوا حقولهم للزواحف والحيوانات المفترسة، وأصبحوا يعيشون حياه البداوة والتنقل، نظرا لقحولة أراضيهم وجفاف وقساوة مناخهم، لذلك فهم كمثل الشعوب المقهوره بالفقر والبوس".

كما يقول المؤرخ سالوستيوس: "كان يسكن إفريقيا في البداية الأفارقة والليبيون الأفظاظ الغلاظ، الذين يعيشون من لحوم الحيوانات المفترسة، كما كانوا يأكلون أيضا الأعشاب مثل بقية الحيوانات، ولا يخضعون لا لعادات أو تقاليد، ولا لقانون أو زعيم، مشتتون ومشردون ولا يتوقفون في موضع إلا إذا داهمهم ظلام الليل".

ولكن كلامهما هذا مناقض للحقيقة، فمنطقة شمال إفريقيا كانت تزخر بخيرات وثروات مادية وحيوانية ونباتية، جعلت منها رقعه جغرافية جذابة لمختلف الأجناس البشرية، بداية من الفينيقيين، ثم الرومان، ثم الوندال والبيزنطيين، الذين تلاهم العرب الفاتحين، وكذا الحضور العثماني، الذي تلاه الغزو الفرنسي الذي كان آخر موجات البشرية التي حاولت السيطرة على كل الشمال الافريقي.

ولكن كل المحتلين للشمال الإفريقي كانوا يتعمدون تشويهه ونقل صورة خاطئة عنه فقط لتبرير هذا الإحتلال، والغريب أنهم كانوا يناقضون أنفسهم، من جهة يصفون المنطقة بالجفاف والقساوة وبأن أهلها أجلافا برابرة، ثم يعودون في نصوص أخرى ويصفون مدى غنى وخصوبة هذه الأرض، وأنها تغل في السنة مرتين.

وأما عن الأقوام التي قطنت المنطقة، فقد استقر فيها:

الموريون: كان أول من استعمل مصطلح موريزيا هم الجغرافيين الإغريق القدامى، وقد شاعت التسمية كدلالة جغرافية على المنطقة الغربية لشمال افريقيا. وقد كان البقواط والبوار هم أشهر قبائل المور، إذ تركز البقواط في موريطانيا الطنجية في منطقة ما وراء نهر الملوية، فيما تركز البوار بين التل الوهراني وجبال البابور.

النوميديون والجيتوليون: والذين كانوا يسيطرون على كامل المنطقة المحصورة بين المحيط الاطلسي غربا وفزان بليبيا شرقا.

الموزولاميون: والذين تركزوا في منطقة الأوراس إلى غاية وادي المثول، وكانت عاصمتهم هي منطقة مداوروش التاريخية.

كانت هذه لمحة مختصرة عن جغرافية وسكان بلاد المغرب القديم، وفي مقالات قادمة سأحاول التفصيل فيها أكثر.

المصادر:

  • جمال مسرحي، المقاومة النوميدية للإحتلال الروماني من سيفاكس إلى تاكفاريناس 203ق.م - 24م، موفم للنشر، الجزائر، 2015

  • شافية شارن، وآخرون، الاحتلال الاستيطاني وسياسة الرومنة، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الجزائر، 2007

  • محمد البشير شنيتي، التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب أثناء الاحتلال الروماني ودورها في أحداث القرن الرابع الميلادي، الجزائر، 1984

  • محمد الصالح العود، التحولات الحضارية في شمال إفريقيا في الفتره الوندالية 429 - 534 م، منشورات مكتبة إقرأ، قسنطينة، 2007