كتب: د. محمود المنير
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي منذ بداية القرن الحادي والعشرين، برزت تجربة الولايات المتحدة خلال إدارة دونالد ترامب كمثال صارخ على ما يمكن أن ينتج عن تصادم القوة مع قواعد القانون الدولي.
حيث يشكّل عهد دونالد ترامب نقطة انكشاف حادّة للنظام الدولي المعاصر. فخلال سنواته الأربع في البيت الأبيض في الفترة الرئاسية الأولى، بدا وكأن الولايات المتحدة أعادت تعريف علاقتها بالقانون الدولي، لا بوصفه إطارًا ناظمًا للسلوك، بل كأداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصلحة وتُهمَل حين تعيقها. هذا التحوّل لم يكن تقنيًا أو إجرائيًا، بل مسّ جوهر الفكرة التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية: فكرة أن القوة، مهما بلغت، يجب أن تخضع لقواعد القانون الدولي.
فمنذ الأيام الأولى لإدارته، أظهر ترامب عداءً واضحًا للتعددية والمؤسسات الدولية. لم يخفِ شكوكه في جدوى الأمم المتحدة، ولا استخفافه بالاتفاقيات الدولية التي قيّدت، في نظره، "حرية القرار الأمريكي". في هذا السياق، لم يعد القانون الدولي مرجعية أخلاقية أو قانونية ملزمة، بل عبئًا سياسيًا تسعى القوة العظمى إلى الالتفاف عليه. هذا المنطق لم يؤدِّ فقط إلى خروقات متفرقة، بل إلى نمط متكرر من السلوك القائم على فرض الإرادة بالقوة الاقتصادية والسياسية، حتى وإن تعارض ذلك صراحة مع المبادئ القانونية المستقرة.
أحد أبرز تجليات هذا النهج كان التوسع غير المسبوق في استخدام العقوبات الاقتصادية الأحادية. فمن منظور القانون الدولي، تُعد العقوبات التي تُفرض خارج إطار مجلس الأمن، وتؤدي إلى أضرار واسعة النطاق بالمدنيين، إجراءً إشكاليًا يقترب من مفهوم العقاب الجماعي. غير أن إدارة ترامب تعاملت مع العقوبات باعتبارها أداة ضغط "ناعمة"، بل وبديلًا مريحًا عن التدخل العسكري، متجاهلة آثارها الاجتماعية والإنسانية بعيدة المدى. في الواقع، تحوّلت العقوبات في عهده إلى شكل من أشكال الحروب البطيئة، تُدار من المكاتب لا من ساحات القتال، لكنها تصيب المجتمعات في صميم قدرتها على البقاء.
العقوبات الاقتصادية لم تكن استثناءً، بل جزءًا من سياق أوسع. حيث ترافق معها وتلاها جملة من الانتهاكات للقانون الدولي ومنها الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، والاعتراف بضم الجولان السوري، حيث شكّلا خرقًا مباشرًا لقرارات مجلس الأمن ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. كما أن الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني ومن اتفاق باريس للمناخ ومنظمات دولية أخرى أضعف الثقة في الالتزامات الدولية، ورسّخ صورة الولايات المتحدة كفاعل غير قابل للتنبؤ، يتعامل مع الاتفاقيات بوصفها مؤقتة وقابلة للنقض بتغيّر المزاج السياسي الداخلي.
ولم يعد سلوك واشنطن في الملفات الحساسة يقتصر على العقوبات الاقتصادية أو التدخلات الضمنية في الشؤون الداخلية للدول، بل تطوّر إلى استخدام مباشر للقوة العسكرية لاعتقال رئيس دولة أخرى واحتجازه خارج حدودها… وهو ما حدث في فنزويلا في مطلع عام 2026.
ففي الثالثة فجر الثالث من يناير/كانون الثاني 2026، دفعت الولايات المتحدة بقواتها الخاصة لتنفيذ عملية عسكرية مفاجئة داخل الأراضي الفنزويلية، انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك حيث وُجهت لهما تهم تتعلق بـ«المخدرات والإرهاب» أمام محكمة أميركية.
من منظور العلاقات الدولية والقانون الدولي، هذا الحدث لم يكن مجرد تصعيد عابر، بل نكسة خطيرة لمبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل. اتفاقات الأمم المتحدة والقانون الدولي تحظر على أي دولة استخدام القوة ضد حكومة دولة أخرى أو إدخال قواتها إلى أراضيها بدون تفويض أممي أو دعوة رسمية. ومع ذلك، أعلن البيت الأبيض بكل صراحة أن العملية كانت نتيجة «ضغوط عسكرية متزايدة تجاه فنزويلا»، وأن الهدف هو تقديم مادورو إلى العدالة في الولايات المتحدة.
هذا التصعيد ليس فريدًا في سياق إدارة ترامب، لكنه يُمثّل ذروةً غير مسبوقة في استراتيجية واشنطن تجاه فنزويلا. فمنذ سنوات، كانت الولايات المتحدة تتبع سياسة العقوبات الاقتصادية كوسيلة للضغط على النظام الفنزويلي، مع حظر نفطي وقيود مالية فرضت معاناة كبيرة على المدنيين، وهو ما أثّر بشكل ملموس على الاقتصاد والحياة اليومية في البلاد.
لكن القفزة من العقوبات إلى التدخل العسكري المباشر واعتقال رئيس دولة شرعي تُعدّ مسألة مختلفة جذريًا. فقد شكّلت العملية في كاراكاس صدمة للعالم وأثارت جدلاً واسعًا حول مدى شرعية مثل هذا الفعل. في فنزويلا نفسها، وصف مسؤول إعلامي محلي ليلة اختطاف مادورو بأنها «يوم غريب في تاريخ البلاد»، وأنها صدمة لم يسبق لها مثيل في الذاكرة الوطنية.
ردود الفعل الدولية كانت سريعة ومختلطة. الصين وروسيا نددتا بالعملية واعتبرتاها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وسيادة فنزويلا، بينما أدت تلك الأحداث إلى تغيّرات جيوسياسية معقدة داخل أمريكا اللاتينية وخارجها.
على الأرض، شكّلت القبضة الأميركية في فنزويلا لحظة مفصلية أثارت مزيجًا من الخوف والأمل بين السكان. بعض الفنزويليين رأوا في العملية نهاية فترة من القمع السياسي الاقتصادي، بينما عبّر آخرون عن قلقهم من تداعيات احتجاز شعبهم ورئيسهم خارج البلاد، لاسيما وسط انتشار عسكري محلي وردود فعل شعبية متباينة.
السبب المعلن من قبل إدارة ترامب كان مكافحة «المخدرات والإرهاب» ووقف ما اعتبرته واشنطن «تهديدًا أمنيًا» خارج حدودها. لكن خلف هذا التبرير القانوني المثار، تبرز عوامل جغرافية استراتيجية واقتصادية، ولا سيما رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على موارد الطاقة الفنزويلية. ففي أعقاب العملية، أعلنت واشنطن تنفيذ أول صفقة نفطية من إنتاج فنزويلا قيمتها 500 مليون دولار، مع خطة للإشراف على قطاع النفط كمصدر دخل.
الاتهامات الدولية بأن الولايات المتحدة تمارس «بلطجة سياسية» و«تستخدم القانون الدولي كغطاء لتبرير الهيمنة» ليست بعيدة عن التحليل الواقعي للمشهد. فمثل هذه العملية تُعدّ سابقة خطيرة في العلاقات الدولية: اعتقال رئيس دولة، نقل سلطته بشكل غير شرعي، واستغلال مواردها الاقتصادية، كلها تحت مسميات قانونية رداً على تهريب المخدرات.
داخل فنزويلا، تولّت ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس السابقة، رئاسة مؤقتة، وأعلنت إصلاحات جزئية منها إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين وفتح قنوات دبلوماسية مع الولايات المتحدة. هذه التحولات الداخلية تعكس توترًا بين محاولة استقرار الوضع وبين رفض واسع لطريقة التعامل الأميركي.
إذا ما نظرنا إلى هذه العملية من منظور أوسع، فإنها تبرز مخاطر تآكل قواعد القانون الدولي حين تتصادم مع إرادة القوة العظمى. فحين يصبح استخدام القوة غير المصرّح به مشروعًا إذا ما اتُّهم الخصم بجرائم معقدة مثل الاتجار بالمخدرات أو الإرهاب، فإن مفهوم السيادة يفقد معناه كأساس للعلاقات بين الدول.
في النهاية، تُظهر الحالة الفنزويلية في عهد ترامب ليس فقط تحولاً في السياسة الخارجية الأميركية، بل تحوّلًا في فهم الدور الذي يمكن أن يلعبه القانون الدولي: من أداة لتنظيم السلوك بين الدول، إلى غطاء لتبرير أفعال تأخذ اللون القانوني لكنها تفتقر إلى الشرعية الدولية الفعلية.
الدلالات الاستراتيجية لهذه السياسات تتجاوز فترة حكم ترامب نفسها. حين تنتهك القوة العظمى القواعد، فإنها لا تكتفي بخرقها، بل تُضعف قدرتها على الإلزام عالميًا. هذا السلوك شجّع قوى أخرى على تبنّي نهج مشابه، وساهم في تسريع التحول نحو نظام دولي أقل استقرارًا، تُدار فيه الخلافات بمنطق الردع والضغط لا بمنطق القانون والمؤسسات. كما أدى إلى تسييس مفهوم حقوق الإنسان، بحيث يُستخدم أداة للضغط على الخصوم، ويُهمَل حين يتعارض مع المصالح.
ستنتهي ولاية ترامب، لكن إرثه في العلاقات الدولية لن ينتهي. فالتآكل الذي أصاب فكرة القانون الدولي كمرجعية ملزمة لا يُعالج بسهولة بتغيير الإدارة. السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إدارة ترامب قد انتهكت القانون الدولي، فذلك بات واضحًا، بل ما إذا كان هذا القانون لا يزال قادرًا على تقييد القوة في عالم تتزايد فيه النزعات الأحادية، ويُكافأ فيه من يخرق القواعد أكثر مما يُحاسَب.
في هذا السياق، تبدو تجربة عهد ترامب تحذيرًا صارخًا: حين يصبح احترام القانون خيارًا سياسيًا لا التزامًا قانونيًا، فإن النظام الدولي كله يدخل مرحلة هشاشة طويلة الأمد، قد يكون الخروج منها أكثر كلفة من أي انتهاك منفرد.