الإدمان بين النشوة المصطنعة والبديل الداخلي: هل يكفي المنع دون شفاء؟

عبر تصفّحي للمساهمات القيّمة هنا في حسوب I/O، مررت ذات مرة بنقاش عن الإدمان والانتكاسة، لكنني لم أستطع العثور عليه مجددًا. لذلك أحببت أن أطرح الفكرة في مساهمة مستقلة، لما للموضوع من خطورة وأهمية، ولأنه يمسّ تجربة إنسانية عميقة عايشت بعض جوانبها عن قرب.

أعلم مسبقًا أن شريحة واسعة من الأعضاء ترفض مفاهيم مثل الطاقة، اليوغا، الشاكرات، أو أي طرح ذي طابع روحي غير تقليدي، وربما أتعرض – كالعادة – للتسليب. لكن ما يدفعني للكتابة ليس الدفاع عن مدرسة فكرية بقدر ما هو محاولة لفهم جوهر الإدمان من زاوية مختلفة.

خلال إقامتي في الهند، لاحظت أن عددًا كبيرًا من المدمنين الذين يلجؤون إلى “القورو” أو المعلم الروحي يتعافون تعافيًا تامًا، دون انتكاسات تُذكر. منهجهم يقوم على فكرة محورية:

أن “النشوة” التي يمنحها المخدّر أو أي سلوك إدماني ليست إلا حالة ذهنية، وأن الله أتاح هذه المواد – رغم خطورتها – لتكشف للإنسان أن تلك النشوة الخرافية موجودة أصلًا في داخله، ويمكن بلوغها بوسائل أعمق وأنقى.

يرى هؤلاء أن على الإنسان العاقل ألا يطارد النشوة عبر مادة خارجية، بل أن يبحث عنها في ذاته عبر مسارات مثل:

  • معلم روحي حقيقي.
  • الحب بمعناه الوجودي العميق، لا الكيمياء العابرة؛ مثل حب قيس لليلى، أو عشق جلال الدين الرومي.
  • صدمة وجودية أو اختيار إلهي يتجلى في حادث أو مأساة تغيّر مسار الحياة.
  • ممارسة الوعي عبر اليوغا، التأمل، والرياضات الروحية.

أخبرني أحد الأصدقاء عن تجربته حين بلغ ذروة الإدمان، فأخذوه إلى معلم روحي. يقول:

“حين جلست أمامه لأول مرة، شعرت أن للرجل سلطانًا داخليًا عجيبًا. أخبرني بأشياء عني لا يعرفها غيري، وتحدث عن تدهور صحتي بسبب ما أتعاطاه. بعد أيام، حاولت العودة إلى تلك المواد، كانت في متناول يدي، لكنني شعرت بنفور شديد من رائحتها ولمسها. أدركت حينها أن شيئًا ما قد تغيّر في داخلي، وأنني بدأت أختبر حالة من النشوة أو الصفاء الروحي دون أي وسيط خارجي”.

الفكرة الجوهرية هنا أن من يجد “البديل الداخلي المجاني” لتلك النشوة – سواء سمّيناها صفاءً، سكينة، أو وعيًا متساميًا – فلن ينتكس. أما الاكتفاء بمنع المدمن من التعاطي، فهو في الحقيقة إعادته فقط إلى حالته الطبيعية السابقة، دون معالجة الفراغ الهائل الذي تركته تجربة النشوة.

ومأساته الكبرى أنه تذوّق شيئًا استثنائيًا، ثم طُلب منه أن يعيش بقية عمره بدونه، دون أن نعلّمه كيف يجده في داخله.

فهل يكمن جوهر علاج الإدمان في المنع وحده، أم في إعادة توجيه الإنسان نحو مصدر أعمق للنشوة والمعنى؟ هذا سؤال أطرحه للنقاش، لا للإقناع، بل للفهم.