هل تساءلت يوما لماذا تصرُّ جداتنا على استخدام "المرّة" لتطهير الجروح أو "البابونج" لتهدئة الأعصاب؟
خلف هذه العادات البسيطة تكمن كنوز معرفية تراكمت عبر آلاف السنين، واليوم، لم يعد العلم ينظر إلى هذه الوصفات بوصفها فلكلورا شعبيا، بل يعاملها كخريطة طريق لاختصار عقود من البحث عن أدوية للأمراض المستعصية.
تبدأ هذه الرحلة من رفوف المكتبات القديمة، حيث تبرز جهود مؤسسات عربية رائدة مثل "مركز الإمام الحسين لترميم وصيانة المخطوطات"، إذ لا تقتصر المهمة هناك على الحفظ الفيزيائي للأوراق بل تمتد لتكون جسرا معرفيا حقيقيا، فمن خلال تحقيق المخطوطات الطبية النادرة يتم استخراج الأنماط العلاجية التي استخدمها الأطباء العرب الأوائل مما يمنحنا بيانات أولية دقيقة حول نباتات طبية قد تكون هي المفتاح المفقود لعلاجات معاصرة.
إن عملية البحث عن دواء جديد تشبه البحث عن إبرة في كومة قش حيث يضطر العلماء لفحص ملايين المركبات الكيميائية، وهنا يأتي دور المعرفة الشعبية لتكون المجهر الذي يحدد مكان الإبرة بدقة وبدلا من البحث العشوائي، يتم تغذية الحواسيب الفائقة ببيانات تلك المخطوطات المحققة مع نتائج التحاليل الجينية للنباتات العربية مما يسمح لنا باستخلاص جزيئات دقيقة يمكنها استهداف الخلايا المستعصية بدقة عالية عبر ما يُعرف بالتنقيب الحيوي الذكي.
ولكي تتحول هذه الوصفة الشعبية إلى دواء معتمد في الصيدليات، تمر العملية بمحطات علمية صارمة تقودها مراكز عالمية في منطقتنا مثل "مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث" عبر برامجه المتطورة في الأبحاث السريرية.
تبدأ هذه المرحلة بعزل المادة الفعالة وتخليص النبتة من الشوائب ثم الانتقال لضبط الجرعة بدقة متناهية لضمان الفعالية وتجنب السمية، وصولا إلى الاختبارات السريرية التي تحول الملاحظات الشعبية القديمة إلى نتائج مخبرية مؤكدة تضمن سلامة المريض قبل طرح الدواء عالميا.
هذا الاهتمام بالمعارف الشعبية ليس مجرد بحث طبي بل هو استثمار في اقتصاد أخضر ومستدام، فالمنطقة العربية غنية بنباتات نادرة وتوثيق طرق استخدامها التقليدية يحمي حقوقنا في الملكية الفكرية ويجعل من بلداننا مصدرا رئيسيا للمواد الخام في صناعة أدوية السرطان والمناعة.
إننا اليوم نثبت أن الطبيعة كانت ولا تزال الصيدلية الأولى وأن معارف الأجداد هي علم رصين ينتظر أن نكتشفه بعيون المستقبل.
و دمتم في صحة و عافية
التعليقات