القلق الإنتاجي: حين يبدو أننا ننجح.. لكننا نموت ببطء من الداخل
ليس من السهل أن نلاحظ علامات الانهيار حين تكون مغطاة بالإنجازات. تبدو الأمور على ما يُرام: المهام تُنجز، الاجتماعات تُدار، الرسائل تُجاب، والأهداف تتحقق. لكن ما لا يُقال، ما لا يُلاحظ، هو الثمن المدفوع داخليًا.
في علم النفس، هناك ما يُعرف بـ"القلق الإنتاجي": حالة مزمنة من القلق المقنّع بالكفاءة. يبدو فيها الشخص ناجحًا ومتفوقًا، بينما ينهار على نحوٍ غير مرئي. إنه الإنهاك الذي لا تظهره المؤشرات، لكنه يُخدر المشاعر، يُفقد المتعة، ويحوّل الحياة إلى سباق بلا خط نهاية.
نعتقد أننا ننجو بفضل التنظيم والتحفيز وتحديد الأولويات، لكن في الحقيقة نحن نؤجل الانفجار. الإنجاز هنا يصبح وسيلة للهروب، لا للتطور.
نوع راقٍ من الدفاع النفسي: نغرق في العمل كي لا نغرق في أنفسنا.
والمجتمع؟ المجتمع يُكافئ هذا القلق. يُكرّس فكرة أن من لا يتوقف أبدًا هو الأجدر بالإعجاب. يُمجّد العمل المفرط، ويحتفي بالإرهاق وكأنه شارة شرف.
الإرهاق لا يظهر دائمًا على شكل انهيار. أحيانًا يظهر كفتور دائم. كجفاف داخلي. كفقدان القدرة على الفرح.
وهنا، تبدأ أخطر أنواع المعاناة: تلك التي لا نملك لها اسمًا واضحًا، لكنها تسرق منّا الحياة ببطء.
فما قيمة النجاح إذا جاء على حساب الشعور بأننا أحياء فعلًا؟
ما كتبته يُلامس الوتر الخفي الذي يتجاهله كثيرون: أن النجاح الظاهري ليس دائمًا علامة على السلام الداخلي.
"القلق الإنتاجي" أشبه بماكينة تشتغل بأداء عالٍ… لكن بدون وقود بشري حقيقي.
نبدو مُنجزين، لكننا لا نشعر بشيء، لا فخر، لا فرح، فقط "نكمل".
الخطير في هذا النوع من الإنهاك أنه هادئ… لا يصرخ، لا يطلب مساعدة، فقط يُفرغنا من الداخل حتى لا يبقى شيء سوى القشرة.
ربما علينا أن نعيد تعريف الإنجاز نفسه:
هل الإنجاز هو ما نُسجّله على الورق؟ أم قدرتنا على أن نستمر بشعور إنساني متوازن؟
المجتمع لن يُعطينا وقفة… نحن مَن يجب أن نختارها بأنفسنا.
المجتمع لن يُعطينا وقفة… نحن مَن يجب أن نختارها بأنفسنا.
صحيح، المجتمع قد لا يعطينا فرصة للوقوف والتأمل، بل يلاحقنا بإيقاعه السريع. لكن نحن من نملك القوة والقدرة على تغيير هذه المعادلة. يجب أن نختار بأنفسنا متى نتوقف ومتى نُعيد تقييم أولوياتنا. النجاح لا يعني أن نكون مشغولين بلا هدف، بل أن نكون حاضرين، نعيش اللحظة ونحن نشعر بكل خطوة نخطوها.
التعليقات