الصبر على العشق في ميزان الإسلام

مقدمة

الحب غريزة إنسانية فطر الله تعالى الناس عليها، وجعلها جزءًا من طبيعتهم. ومع ذلك، فقد وضع الإسلام ضوابط لهذه المشاعر حتى لا تخرج عن مسارها الصحيح، فيصبح الحب فتنةً للإنسان بدلًا من أن يكون سعادةً له. ومن الأحاديث التي تناولت هذا المعنى الحديث الذي رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه:

"من عشق فعفّ، وكتم، وصبر، ثم مات، فهو شهيد."

يُبرز هذا الحديث مقام الصبر في مواجهة مشاعر العشق، ويوجه الإنسان نحو تقوى الله، وضبط النفس، وترك ما قد يؤدي إلى الفتنة والانحراف.

1. تفسير الحديث ومعناه

يُشير الحديث إلى ثلاث مراحل يمر بها العاشق الصادق الذي يخشى الله:

  • العفّة: أي أن يبتعد عن الحرام، فلا يسعى إلى تحقيق شهوته بطرق غير مشروعة، بل يلتزم بالعفة والطهارة.
  • الكتمان: أي أن لا يجهر بعشقه ولا يُفشيه بين الناس، فيحفظ نفسه وقلبه من الفتن، ويحمي غيره من الوقوع في الخطأ.
  • الصبر: أي أن يحتسب أجره عند الله، ويصبر على معاناته، دون أن يتجاوز حدود الله في البحث عن راحته.

فإن مات على هذا الحال، بُشّر بالشهادة، دلالة على رفعة مقامه عند الله، لأنه جاهد نفسه وأهواءه في سبيل التقوى والطهر.

2. العلاقة بين الصبر والتقوى في مواجهة الحب

يربط الإسلام بين الصبر والتقوى في كل شؤون الحياة، ولا سيما في مواجهة العشق، إذ قد يكون الحب فتنة تقود الإنسان إلى معصية الله، وقد يكون دافعًا للخير والطهر إذا التزم الإنسان بضوابطه الشرعية.

يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (النازعات: 40-41).

المؤمن الصادق هو من يُخضع قلبه لله، فلا يُطلق العنان لهواه، بل يجعل حبه في إطار الحلال، فإن لم يُقدَّر له الزواج، صبر وعفّ وكتم حتى يُثيبه الله.

3. الحب في الإسلام: بين المباح والمحرم

الحب في الإسلام ليس محرمًا بذاته، بل يختلف حكمه حسب طريقة التعامل معه:

  • الحب المباح: هو الحب الذي يكون في إطار الزواج أو الذي ينشأ في قلب الإنسان دون سعيٍ منه، لكنه لا يتجاوز حدوده الشرعية.
  • الحب المحرّم: هو الذي يؤدي إلى الوقوع في الفاحشة، أو الذي يُخرج الإنسان عن طاعة الله، أو يدفعه إلى خيانة الأمانة والعلاقات غير المشروعة.

قال النبي ﷺ: "لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح" (رواه ابن ماجه). أي أن الإسلام لا يمنع الحب، لكنه يُوجهه نحو الزواج، ليكون في إطار طاهر ومُبارك.

4. الصبر على العشق: صورة من صور الجهاد

يُعد الصبر على العشق صورة من صور الجهاد، إذ يجاهد الإنسان نفسه ليمنعها من الوقوع في المحظور، ويتحمل مشقة العفّة والتقوى. وقد قال النبي ﷺ:

"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله" (رواه أحمد).

فالصبر في هذه الحالة ليس ضعفًا، بل قوة عظيمة تدل على صدق الإيمان وقوة الإرادة، وهو من الصبر الجميل الذي يُثاب عليه صاحبه أعظم الثواب.

الخاتمة

الحديث الشريف يُعلّمنا أن الصبر على الحب قد يكون سببًا لنيل درجة الشهادة، لأن الإنسان يُجاهد نفسه، ويحفظ قلبه عن الفتن، ويراقب الله في كل تصرفاته. فالحب في الإسلام ليس مجرد مشاعر عابرة، بل مسؤولية عظيمة، إن وُجِّهت في الطريق الصحيح كانت سببًا للسعادة في الدنيا والآخرة، وإن خرجت عن مسارها الصحيح أصبحت سببًا للشقاء والفتنة.

الحب الحقيقي هو الحب الذي يُقرب الإنسان إلى الله، لا الذي يُبعده عنه.