إلى الطفلة التي كنتُها.. قلمكِ الذي تجاهلوه صار اليوم صوتكِ المسموع

منذ صغري، والورق هو وطني البديل. كنتُ أهرب من ضجيج كل شيء لأكتب 'خربشات' وقصصاً لا يفهمها إلا قلبي. لكن في ذلك الوقت، لم يكن هناك من يشجعني؛ بل واجهتُ الكثير ممن حاولوا إيقافي، ممن كانوا يسخرون من اهتمامي بالكتابة ويرونها مضيعة للوقت أو شيئاً لا قيمة له.

​أتذكر جيداً كيف كانت الكلمات تموت في حنجرتي وتولد على الورق، وكيف كان الوقوف ضدي يزيدني إصراراً رغم الألم. قيل لي كثيراً: 'ما الفائدة من هذا؟'، وحاولوا إقناعي بأن أكون كغيري، بعيدة عن عالم الأوراق والخيالات.

​لكنني اليوم، انظر لنفسي بكل فخر. تلك الطفلة التي لم يعبر أحدٌ رأيها بالأمس، أصبحت اليوم كاتبة تملك صوتاً وفكراً وقوة لا تهزها الرياح. الكتابة لم تكن مجرد هواية، كانت طريقتي لأثبت لنفسي أولاً وللعالم ثانياً أن الأحلام التي تبدأ في الظلام هي التي تشرق بقوة في النهاية.

​لكل شخص يواجه الرفض اليوم: لا تدفن موهبتك لترضي من حولك، فبذرة الصدق التي تزرعها في ورقك ستنبت يوماً وتصبح غابة يستظل بها الجميع


في أول مرة كتبت على الورق، رأيت كلمات غريبة لا يفهمها غيري، لكنها كانت تصف ما بداخلي بدقة.

ومن تأملي، يبدو أن الناس لا تسخر من الكتابة بقدر ما تخشى التغيير الذي قد تصنعه فينا؛

فحين نبدأ بالكتابة، يشعر بعضهم أننا نبتعد عنهم. لذلك لم أخبر أحدًا عن كتاباتي سوى أمي.

في الواقع، أن تكون الكتابة سرًا في بدايتها يمنحك حرية أكبر لتقولي ما تريدين دون خوف أو رقابة. فالورقة الخفية تسمح بصدق لا يُقال دائمًا بصوتٍ عالٍ.

فاستمري في الكتابة؛ ليس الجميع كاتبًا، لكن كثيرين يبحثون عن أفكار وزوايا جديدة يرون العالم من خلالها.

كلماتك تلمس الجرح والشفاء في آن واحد. الكتابة فعلاً هي تلك المرآة التي نخشى أحياناً أن يرى الآخرون انعكاسنا فيها، ليس لأننا نخبئ سراً، بل لأننا نكشف عن 'حقيقتنا' التي قد لا تحتملها قوالبهم الجاهزة.

​أعجبتني جداً جملة 'فالورقة الخفية تسمع بصدق لا يُقال دائماً بصوتٍ عالٍ'؛ فالورق هو الصديق الوحيد الذي لا يقاطعنا، ولا يحاكمنا، بل يمنحنا مساحة لنولد من جديد مع كل سطر.

​شكراً لهذا التشجيع، فما نحتاجه فعلاً ليس أن نكون 'كتّاباً' بالمعنى الاحترافي، بل أن نظل صادقين مع تلك الكلمات الغريبة التي تشبهنا وحدنا