أغلب الظن ان في حياة كل فرد منا لحظة ما ، حدث ما ، كتاب ما ، قراءة ما ، فهم ما ، وعي ما ، حالة ما ، حادثة ما ، أو حتى " صدمة ما " .. عندما وقعت ، تغير كل شيء. كان قبلها شيء وبعدها شيء آخر. ليس المقصود التغير الكامل والتحول الى سوبر مان ، او التحول الى شخصية كاملة مختلفة بين يوم وليلة ، ولكن المقصود تلك اللحظة التي كانت بداية تغيير جوهري في تفكيرك وحياتك.
ربما هذا السؤال تحديداً من اكثر الاسئلة التي تشغل بال الناس بخصوص رصد الاختلافات الكبرى التي طرأت في حياتهم وحياة الآخرين. ما الذي جعل هذا الشخص صلباً بعد ان كان شخصية هشة ، ما الذي جعلها ناجحة بشكل كبير بعد ارتبط الفشل بإسمها ، ما الذي جعله يُلحد بعد مشوار من الإيمان ، ما الذي جعله يؤمن بعد مشوار طويل من الشك ، ما الذي حوّل شخصيته من شاب كسول أرعن الى شخصية متقدة الذكاء ؟
افهم أن هذه التغيرات الكبرى تأتي بناءً على تراكمات ونضج وخبرات، ولكن الأساس أنها " تبدأ في لحظة ما " ، أو بسبب أداة ما .. ثم بالتراكم والصقل تتحول هذه اللحظة الصغيرة الى مسيرة كاملة مختلفة تماماً عن السابق ..
هل رصدت هذه التغييرات في حياتك ؟ .. إن كانت الاجابة بنعم ، فأخبرنا عنها .. كيف كنت وكيف أصبحت ، وما هي تلك اللحظة / الأداة التي أوقدت شرارة التغيير في حياتك بشكل عام، أو جانب من جوانب حياتك " مهنيا ، وظيفيا ، اجتماعياً " بشكل خاص ؟
أظنني تغيّرت للأسوأ بعد حدوث كثير من الأمور، أوّلها حين كنت في عامي الجامعي الأوّل..
حينها كنت قد بذلت جهدًا جبارًا للإلتحاق بكلية الطب.. ولكن خلال الفصل الدراسي الأول رسبتُ. لم أحدد أهدافي وأولوياتي. كنت قد تبنيت هوايات جديدة وبدأت أهتم بأشياء كثيرة وأعطيها الكثير من وقتي ( تعرفون بداية الفترة الجامعية- يكتشف المرء أن العالم أوسع بكثير من المدرسة والواجبات التافهة والقراءة والنوم، خاصة حين تكون شخصًا لا يقوم بالكثير من الأشياء وانطوائي) . حسنًا.. كان رسوبي صدمة عظيمة لي ولكل من حولي أيضًا. لقد كنت متألقة دائمًا!
المهم، كانت صدمتي صدمتين. كنت معتادة على إخبار أمي بكل تفاصيل حياتي، كنت حينما بدأت بالاهتمام بأشياء جديدة وبناء صداقات جديدة أخبرها بذلك، اندفاعًا وفرحًا، ولأنني كنت شخصًا لا يتوارى، وساذجة لأبعد الحدود.
بعد رسوبي وجدت أن أمي غاضبة وهذا أمر طبيعي، لكنها كانت "تعايرني" بذلك طوال الوقت، لم تتوقف عن إهانتي.
كانت تقول "صديقتك فلانة! فعلت كذا وكذا وأنت فاشلة ولا تستحقين الاحترام" " تحسبين نفسكِ ذكية لكنك في الحقيقة غبية ولا فائدة ترجى منك" " الكتب التي تقرأينها لا تزيدك سوى جهلًا وغباء" وأشياء من هذا القبيل.. تخيلوا فقط هذا النوع من الإهانات كان متواصلًا لمدة أشهر. كانت فقط تبحث عن صورتها أمام الناس، وأنا لم أعرف ذلك أبدًا. لطالما افتخرت بي، ولكنني في لحظة أصبحت أسوأ إنسان في العالم، سمعتها مئات المرات تقول عني أشياء أفقدتني صوابي.
منذ ذلك الحين بدأت أفقد شغفي بأشياء كثيرة وصرت أرى جميع الأشخاص مزيفين. لأنني بعد أن نجحت في سنواتي الجامعية اللاحقة ( وكان ذلك متوقعًا لأنني شخص يحب الدراسة وتحصيل العلم أصلًا) عادت أمي لتقول عني أشياء مغايرة، وتتفاخر بي بطريقة تثير الاشمئزاز في نفسي.
كل ذلك أثّر فيّ سلبًا بالطبع. كانت تلك أوقاتًا مفجعة تعرضت فيها لإهانات كثيرة أفقدتني ثقتي وإيماني بنفسي، ولم أعد أتعامل بسجيتي مع أي أحد ذلك.
لقد تعرضت للكثير من المواقف المحرجة في حياتي، وعشت حروبًا، وكنت على شفا الموت مراتٍ كثيرة، لكنها كانت تجارب بناءة زادتني وعيًا وصلابة بتراكمها.
لكن شيئًا شخيفا ك(رسوب غير متعمّد قابل للتدارُك) كان يدفعني إلى حافة الجنون. آنذاك تأذيت بطريقة لا يمكنني وصفها أبدًا.
وأن تبني نفسك من جديد، وتحاول استعادة ثقتك بنفسك وتألقك هو أمر صعب للغاية بالتأكيد.
التعليقات