أغلب الظن ان في حياة كل فرد منا لحظة ما ، حدث ما ، كتاب ما ، قراءة ما ، فهم ما ، وعي ما ، حالة ما ، حادثة ما ، أو حتى " صدمة ما " .. عندما وقعت ، تغير كل شيء. كان قبلها شيء وبعدها شيء آخر. ليس المقصود التغير الكامل والتحول الى سوبر مان ، او التحول الى شخصية كاملة مختلفة بين يوم وليلة ، ولكن المقصود تلك اللحظة التي كانت بداية تغيير جوهري في تفكيرك وحياتك.
ربما هذا السؤال تحديداً من اكثر الاسئلة التي تشغل بال الناس بخصوص رصد الاختلافات الكبرى التي طرأت في حياتهم وحياة الآخرين. ما الذي جعل هذا الشخص صلباً بعد ان كان شخصية هشة ، ما الذي جعلها ناجحة بشكل كبير بعد ارتبط الفشل بإسمها ، ما الذي جعله يُلحد بعد مشوار من الإيمان ، ما الذي جعله يؤمن بعد مشوار طويل من الشك ، ما الذي حوّل شخصيته من شاب كسول أرعن الى شخصية متقدة الذكاء ؟
افهم أن هذه التغيرات الكبرى تأتي بناءً على تراكمات ونضج وخبرات، ولكن الأساس أنها " تبدأ في لحظة ما " ، أو بسبب أداة ما .. ثم بالتراكم والصقل تتحول هذه اللحظة الصغيرة الى مسيرة كاملة مختلفة تماماً عن السابق ..
هل رصدت هذه التغييرات في حياتك ؟ .. إن كانت الاجابة بنعم ، فأخبرنا عنها .. كيف كنت وكيف أصبحت ، وما هي تلك اللحظة / الأداة التي أوقدت شرارة التغيير في حياتك بشكل عام، أو جانب من جوانب حياتك " مهنيا ، وظيفيا ، اجتماعياً " بشكل خاص ؟
لو كنت أملك 100 نقطة كنت سأفضل الإجابة على الموضوع كمجهول حيث سأجيب بحرية أكثر
لسبب ما عندما قرأت عنوان الموضوع، سألت نفسي مستغربا وهل من أحد لم يمر بهذه اللحظة الفاصلة في حياته؟
أعتقد بشدة بأن الجميع يمر بمثل هذه التجربة عاجلا أو آجلا ولو كان عن عمر يناهز التسعين
هل رصدت هذه التغييرات في حياتك ؟
نعم في وقت مبكر من حياتي عندما كان عمري 18 سنة، ومرة أخرى عندما كان عمري 22 سنة
إن كانت الاجابة بنعم ، فأخبرنا عنها .. كيف كنت وكيف أصبحت
كنت شخصا مجتهدا في دراسته، يخطط كثيرا لمستقبله بكل ساعة وأسبوع وشهر وسنة وذلك لأني تعودت التنظيم والالتزام
كانت تجمعني علاقة صداقة بوالداي في تلك الفترة فكنت أخبرهم بكل شيء قبل أي أحد وكانوا يشجعونني في كل خطوة، وكانت لديهم آمال كبيرة معلقة علي
في الشهور الأخيرة قبل امتحان الثانوية العامة، انتقلت إلى مدرسة جديدة بفترة الانقطاع للتحضير لامتحان البكالوريا الذي سيحدد مصيري ومستقبلي حسب ما جعلني والدي أعتقد
وبعد أقل من شهر جمعتني علاقة قوية بفتاة، ثم تطورت علاقتنا كثيرا بحكم الوقت الطويل الذي كنا نقضيه مع بعضنا بحجة الدراسة
كانت المرة الأولى التي أشارك شخصا رؤيته للعالم، وتأثرت كثيرا بآرائها ونظرتها في أمور كنت أعتقد أنها ثابتة راسخة لا تتغير
وباختصار شديد.. مر الوقت وبدأنا تقديم امتحان الثانوية العامة
بعد كل امتحان كنا نركض ونمشي نصف المدينة حتى نلتقى في الحديقة العامة، نخدع بعضنا بالوجوه الحزينة، ثم نضحك كثيرا ونحن نعيد ونتأكد من حل الأسئلة معا
وفي يوم امتحان الرياضيات، مادتي المفضلة.. أخطأت بالإجابة على جزء بسيط من أحد الطلبات السهلة كثيرا.. خرجت من المدرسة لا أصدق كيف حصل ذلك.. بدأت أمشي وعندما وصلت الحديقة لم أجدها..اعتقدت لأني تأخرت كثيرا.. انتظرت ساعة ثم عدت إلى البيت لأن هاتفي لم يكن معي، اتصلت مرات كثيرة ولم ترد علي
أرسلت رسالة نصية أعتذر لها وأخبرها بأني سأكون في مكاننا المفضل بعد ربع ساعة. وقبل أن أخرج يرن هاتفي لأسمع هذه الكلمات
-ميريام بالمشفى...
-أطلق عليها رصاص بالخطأ ...
-ماتت...
فيما بعد عرفت أنها قتلت بالخطأ فعلا لكن برصاص رجال الأمن الذي كان يحاول تفريق مظاهرة
وبعد يومين فقط أسمع خبر موت صديق لي بسبب شظية من قذيفة ضرب بها الجيش قريتنا التي أبعدني والدي عنها مع بداية الأحداث.
بالعودة لسؤالك وعذرا على الإطالة، لم أتغير مباشرة بتلك الأيام، لكنها بقيت معي تطاردني كل لحظة من حياتي إلى الآن.
تغيرت حياتي بعدها بشكل كامل، لم أجمع ما يؤهلني لدراسة الطب البشري مثلما رغب والداي دوما، بل خيبت أملهما بدراسة الهندسة المعمارية، ضعفت علاقتنا تدريجيا بعدما سافرت للدراسة في الجامعة، حيث سكنت لوحدي بعيدا عنهم 4 سنوات، ثم جاءت اللحظة اللحظة الفاصلة الثانية عندما أجبرت على ترك دراستي بعد تهديدي بالتجنيد الإجباري في صفوف نفس الجيش الذي قتل 9 أشخاص ممن أعرفهم، وقرابة مليون شخص لا أعرفهم
تغيرت خلال هذه السنين نظرتي بشكل كامل للحياة، واكتشفت بالأوقات الطويلة التي قضيتها وحيدا شغفي، فعلمت نفسي أمورا كثيرا واحترفت الرسم والتصميم والآن أنا أعمل كمصور ومصمم وأيضا مدرب لما تعلمته.
أعيش الآن في عمر الـ 25 في الشمال السوري، أعيش وحيدا كل أيامي في خوف دائم كل دقيقة، أرفض كل محاولات أهلي بإقناعي بالزواج والتخلي عن فكرة السفر كلما قمت بزيارتهم.
مررت بالكثير وما زلت أنتظر اليوم الذي سأسافر فيه، لكي أبتعد عن هذا البلاد، فقد شبعت من الموت، وأرغب ببدء حياة جديدة أولد فيها من جديد.
نعم في وقت مبكر من حياتي عندما كان عمري 18 سنة، ومرة أخرى عندما كان عمري 22 سنة
الحرب في سوريا خلقت جيلاً مُذهلاً من المراهقين والشباب الذين يفكّـرون بعقلية رجال ناضجين في الخمسينيات. كل سوري له قصة ما وألم ما وضربة ما حوّلت حياته تماماً ، صحيح ربما جعلته يحمل ذكريات وآلام لم يكن يطيقها في الظروف العادية، إلا أنها ساعدت في تطوير العقول بشكل كبير في كل مستوياتهم. تبدو معالم هذا التغيير واضحة في كل شيء تقريباً.
غير أن ما ذكرته في قصتك تعتبر من أقسى الأمور قطعاً، فكـرة " الطلقة " التي تنهي حياة شخص ما في لحظة. طلقة طائشة انهت حيـاة شخص عزيز لديك، وقذيفة خاطئة تؤدي بحياة مجموعة من الناس مثلي ومثلك دون أي مبرر .. رحيل شخص عزيز لمجرد خطأ ارتكبه شخص ما لم يكن في قمة تركيزه ، او لأنه احمق ، أو لأنه لا يكترث بأي شيء. هذه الحالة هي اكثر من يشعرك بفوضى الحياة وكم هي هشّة تختفي في لحظة دون مراعاة لأي شيء.
أتمنى أن تكون التجربتين وقوداً لإنضاجك فكرياً ونفسياً، وألا تكون سبباً في إحراقك فكـرياً ونفسياً. والفرق بين النضج والحرق شعـرة بسيطة.
التعليقات