لطالما عجزتُ عن إغلاق فمي ذهولاً أمام تلك المنافسات الشعرية التي كانت تُقام في مدينتي. كان مشهداً مهيباً يمتزج فيه تقديس الكلمة بمشاعر البشر؛ إذ كان الناس يتملقون الشعراء، يكسبون ودهم طمعاً في مدحهم، أو خوفاً من هجائهم. وبكل صدق، كنت أغبط أحدهم بشدة، وأتمنى من أعماق قلبي أن أكون مثله؛ ذلك الشاعر الذي كان بلسانه العربي الفصيح يرفع شأن قرية بأكملها ويخفض شأن أخرى. ففي بلادي اليمن، يمتلك الشعر مفعول السحر، وتُصاغ به مصائر الأفراد والجماعات.

في مخيلتي، كنت دائماً أشيد عالماً كاملاً، أتخيل نفسي فيه وأنا أقف نداً لهذا الشاعر، أرده وأفحمه في جولةٍ أدبية. ورغم أنني كنت غارقاً في أحلامي، إلا أنني في تلك المرحلة لم أكن أعرف شيئاً عن فنون كتابة الشعر. وهكذا، استمرت الأحلام تراودني حتى جاء ذلك اليوم الذي قررت فيه خوض التجربة: "لماذا لا أجرب كتابة قصيدة ما؟".

أمسكت قلماً وورقة، وجمعت أهلي وبعض الأصدقاء لأسمعهم أولى إبداعاتي. وفور انتهائي من قراءة الأبيات، انفجر الجميع ضاحكين! لم تكن ضحكاتهم نابعة من سخريةٍ بالأبيات، بل كانت صدمة من قوتها؛ لدرجة أنهم اتهموني بسرقتها واقتباسها. وأذكر أن أحدهم قال لي بلهجةٍ قاسية: "في مثل سنك هذا، لا يُتوقع منك سوى اللعب!".

عندما سمعت تلك الكلمات، شعرت بالحزن يعتصر قلبي وكاد يمزقني. كيف يجرؤون على اتهامي بسرقة شيءٍ شيدته من قريحة أفكاري وبنيته بيدي؟ لكن سرعان ما استعاد عقلي اتزانه، وخاطبني قائلاً: "أنت حزين يا عبد المجيد لأنهم لم يصدقوا أشعارك، بينما المفروض أن تكون في غاية السعادة لأن أشعارك أصبحت لا تُصدق من فرط جودتها!".

تلك اللحظة كانت الفاصلة؛ أمسكت القلم مجدداً، وأقسمت أن أجعلهم يندمون على شكهم، فشرعت في كتابة قصيدتي الخالدة:

عجبوا وقالوا شاعرٌ في عمرهِ

يأتي بأجملِ ما يُقوَلُ في القصيد،

ويقولُ أشعارًا نكادُ نظنُّها

قيلتْ بعهدِ أبا المغيرةِ والوليد

فعجبتُ من تفكيرِهم وغبائِهم،

ظنّوا بأنَّ المجدَ بالعمرِ التليد

إن كان عمرُ المرءِ قاعدةً فقد

خرقَ القواعدَ كلَّها عبدُ المجيد

ألقيت القصيدة بصوتٍ مسموع، قويّ، ومليء بالثقة. هذه المرة، لم يكن هناك ضحك، ولم تكن هناك اتهامات بالسرقة، بل خيم صمتٌ مهيبٌ على المكان، صمتٌ كان أبلغ من ألف كلمة.

رأيت في أعينهم ذهولاً حقيقياً، تراجعت خلفه تلك النظرات المتعالية، وحلّ محلها احترامٌ لم يسبق له مثيل. أدركت حينها أن الطريق إلى قلوب الناس وإقناعهم لا يمرّ عبر طلب رضاهم، بل عبر الإيمان المطلق بما نملك. لقد كانت تلك اللحظة هي ولادتي الحقيقية كشاعر، واليوم، بينما أتذكر ذلك اليوم، أبتسم بامتنان؛ فلو لم يتهموني بالسرقة، لما عرفت يوماً أنني أمتلك موهبةً تستحق أن أدافع عنها، ولما أصبحت القصيدة التي كانت سبباً في حزني، هي ذاتها المفتاح الذي فتح لي أبواب المجد في مدينتي حتى اعترف ذلك الشاعر بنفسه بانني اشعر منه رغم انني مازلت في سن التاسعةعشرة ،،واليوم ها أنا ابحث عن ما هو أكبر( أن يخلد أسمي في شعراء التاريخ).

فعجبي لمن يتمنى شيئا دون أن يفتش في نفسه عن ما إذا كان يملكه بالفعل!!!