تعرفت على فتاة. لم أرها. لم أسمع صوتها. مجرد كلمات على شاشة وتم زرقاء. في البداية كان الكلام عاديًا، هادئًا، حتى جاءت لحظة الحقيقة: اكتشفت أني أصغر منها بعام واحد. عام واحد فقط. ليس عقدًا ولا جيلاً. مجرد ١٢ شهرًا بيننا. لكنها قالت بكل هدوء: "المشكلة عندي". وكان يجب أن أقول لها: "دام المشكلة عندك إذن حليها مع نفسك" ثم أمضي. لكني لم أفعل. تحولت فجأة إلى حكيم زمانه، إلى فيلسوف علاقات لم تطلبه منها. "العمر مجرد رقم! المهم المسؤولية والهمة!" كررتها خمس مرات، وكأني أطرق بابًا مغلقًا وأحاول إقناع الخشب أن يفتح.
من تلك اللحظة انقلبت الأدوار تمامًا. لم أعد رجلاً يتعرف على امرأة، بل صرت متقدمًا لوظيفة شاغرة، وهي مديرة التوظيف. كانت تجلس على كرسيها الوثير وتسألني دون أن تنطق: أقنعني لماذا أوظفك. وأنا المسكين أقدم الاختبارات واحدة تلو الأخرى. أسألها عن أحلامها فأحصل على "تمام". أطلب رقم هاتفها فأسمع "لا". أرجو مكالمة صوتية واحدة فأجد "دوام وأهل لا ينفع". أتخيل مستقبلاً معها فأُفاجأ بـ"مع الأيام بنشوف". يا للهول، لقد حفظت هذه الجملة أكثر من اسمي. صارت نغمة هاتفي الذهنية، صارت الرد الجاهز لكل سؤال حقيقي. وفي إحدى المرات تجرأت وقلت لها: "إن شاء الله لما أزور عدن، أول خطوة لي أزور أهلك الكرام وأتعرف عليهم"، فجاءني الرد كصفعة باردة: "شكرًا على جديتك". شكرًا على جديتك! كأني قدمت لها سيرة ذاتية فردتها بأدب الموظف الذي يريد إنهاء المقابلة دون أن يجرح مشاعري.
المفارقة الكبرى أن هذه المرأة "محللة بيانات". وظيفتها تحليل الأرقام والمعلومات واستخراج الأنماط. لكن الذي كان يحلل طوال الوقت هو أنا. أحلل نبرة "تمام". أقلب كلمة "اوكيه" على كل الوجوه. أبحث عن معنى خفي خلف "مع الأيام بنشوف". أما هي فكانت تحللني أنا تحليل بيانات حقيقي: عمرك، شكلك، وزنك، صفحتك الفارغة، لماذا كل صورة لك بشكل مختلف؟ سألتني بكل برود. ثم قالت لي الجملة التي أيقظت شيئًا في عقلي: "المفروض أحذفك من الفيس عشان ما تشوف حياتي". تخيلوا المشهد: امرأة تهددني بالحذف لأني قد أرى منشوراتها، وأنا في المقابل أخطط لموعد عند اخوها وأناقش السكن في مكة. هل هذا حب؟ أم مسرحية كوميدية كتبتها لنفسي وقمت ببطولتها وأخرجتها ودفعت ثمن التذكرة؟
أنا لا أكتب هذا لأنتقم. أكتبه لأني محتار. محتار كيف أن رجلاً عاقلاً يتحول إلى متسول عاطفي عند أول إشارة غموض أنثوي. محتار كيف أن "مع الأيام بنشوف" تبدو لنا نحن الرجال دعوة للصبر، بينما هي في الحقيقة مخرج طوارئ تستخدمه من لا تريد الدخول ولا تملك شجاعة الخروج. محتار كيف أن التردد الأنثوي يتحول في أعيننا إلى عمق، والبرود إلى حذر نبيل، والرفض المهذب إلى أمل.
والآن أطرح السؤال عليكم: من المخطئ في هذه القصة؟ هل أنا الأحمق الذي رأى في "تمام" قصيدة حب، وفي "مع الأيام بنشوف" وعدًا بالزواج؟ أم هي التي أبقت رجلاً صادقًا في غرفة انتظار باردة، لا هي سمحت له بالدخول ولا هي تركته يرحل؟ هل "المشكلة عندي" اعتراف يستحق الاحترام، أم هروب من المسؤولية؟ وهل "مع الأيام بنشوف" حكمة، أم أسوأ أنواع التلاعب، ذلك الذي يلبس ثوب الصبر وهو في جوهره تسويف بلا نهاية؟
لكن يا نورا أنتِ تطلبين من الرجل أن يملك قدرة خارقة على قراءة الأفكار، وفي نفس الوقت تعفين المرأة من أبسط واجبات الصدق: أن تقول "لا" بوضوح. لو كان الدواء الذي تصفينه لمريض يحمل تعليمات بهذا الغموض، "خذ حبة بنشوف"، لقُدتِ أنتِ شخصياً إلى المحكمة بتهمة الإهمال. فما بالك بالعلاقات؟
هي اعترفت أن فارق السن مشكلة، وكان يجب أن يدرك
دقيقة واحدة فقط. إذا كانت مشكلة عندها بالسن منذ البداية، وكانت كما تقولين لا ترى فيه أي إمكانية، فلماذا أكملت الحديث إذن؟ لماذا استمرت تسأله عن عمره وشكله ووزنه وصوره؟ لماذا بقيت في الحوار، تحلل بياناته وهو يقدم الاختبارات؟ أتسمين هذا رجاحة عقل؟! لا يا دكتورة. هذا اسمه إبقاء الخيارات مفتوحة. اسمه تسلية الفراغ العاطفي. اسمه رجل احتياطي. أنتِ تبررين استمرارها في الحديث معه بأنه حرية شخصية، وتلومينه هو لأنه أخذ هذه الاستمرارية كإشارة اهتمام. هذا قلب للمنطق. لو أن صيدلانياً رأى مادة محظورة في روشتة، ثم قال للمريض: "هذا الدواء فيه مشكلة بنشوف"، ثم استمر في الحديث معه عن أحوال الطقس وصحته العامة، هل ستلومين المريض لأنه ظن أن هناك أملاً في العلاج؟! بالطبع لا. ستلومين الصيدلاني لأنه لم يغلق الباب ويقول ممنوع، ارجع لطبيبك. لماذا هذا المعيار المزدوج؟
أنتِ يا دكتورة تخلطين بين النضج والجبن العاطفي. النضج الحقيقي هو أن تقول كلمة لا واضحة، وتتحمل مسؤولية إيذاء مشاعر الآخر مؤقتاً، بدلاً من إبقائه في مستنقع الأمل الزائف لشهور وهو يتخيل بيوتاً في مكة. تلك المرأة لم تكن ناضجة، بل كانت جبانة عاطفياً، واستخدمت غموضها كدرع، وأنتِ أسميتِ هذا الجبن "حذراً نبيلاً".
أنتِ لم تخطئي في النصح، أنتِ أخطأتِ في قراءة الورم نفسه. المرأة كانت الورم، وغموضها كان النقيلة
لماذا استمرت تسأله عن عمره وشكله ووزنه وصوره؟
هو لم يذكر هذه بالمساهمة من أين عرفت أنها سألت عن هذه النقاط؟
حتى لو كانت هي مخطئة كما قلت فأين عقله هو، انظر لهذه الفقرة التي كتبها، أمامي شخص يتهرب مني ويتحجج بمليون حجة كيف أتخذ بعدها خطوة التقدم والارتباط؟ جاوبني
أسألها عن أحلامها فأحصل على "تمام". أطلب رقم هاتفها فأسمع "لا". أرجو مكالمة صوتية واحدة فأجد "دوام وأهل لا ينفع". أتخيل مستقبلاً معها فأُفاجأ بـ"مع الأيام بنشوف". يا للهول، لقد حفظت هذه الجملة أكثر من اسمي. صارت نغمة هاتفي الذهنية، صارت الرد الجاهز لكل سؤال حقيقي.
حسنا دكتورة نورا بما أنكِ دكتورة صيدلانية، اسألي نفسك هذا السؤال بنفس المنطق
لماذا ندين الصيدلاني الذي يصرف دواءً وهمياً لمريض يائس، ولا ندين المريض الذي صدق الصيدلاني؟
جوابكِ سيحدد كل شيء. هل المريض قليل عقل لأنه صدق الصيدلاني؟ المجتمع كله، والقانون، والأخلاق الطبية تقول: لا. المخطئ هو الصيدلاني، لأنه في موقع القوة، لأنه في موقع المعرفة، لأنه من أوهم، لأنه من استغل يأس المريض وحاجته للشفاء ليبقيه متعلقاً. هذا هو المبدأ.
هي ليست صيدلانية ولا هو مريض التشبيه هنا بغير محله تماما، هي إن أخطئت بتكملة التواصل فهو خطأه أكبر بوضع توقعات لا تتناسب مع ردود الفعل التي قامت بها، لا أعرف لماذا تحاول أن تضع الرجل في طرف الشخص الضعيف المريض فاقد القدرة على التحكم وكأنه طفل أو لعبة وخيوطها بيد المرأة تحركها كما تشاء، هذه إهانة لعقل الرجل الحقيقة خاصة في ظل وجود رسائل بالرفض وعدم القبول يفهمها أي شخص.
بالنهاية حتى لا أطيل بهذه النقطة وهو سؤاله في زاوية واحدة وهي محاولة معرفة من المخطىء، في حين أرى أن الأهم أن نعلم أين أخطأنا ونحاول التعلم منه خاصة أنه من الواضح أنه شخص واضح ومباشر إن شاء الله ربنا يعوضه بإنسانة تقدره
لا أعرف لماذا تحاول أن تضع الرجل في طرف الشخص الضعيف المريض
منذ متى والصدق والوضوح ضعف؟ هذا الرجل لم يبكِ، لم يتوسل، لم يهدد. هو أحب بوضوح، وحلم بصوت عالٍ، وطلب مقابلة الأهل. هذه شجاعة لا يملكها كثيرون. أنتِ تسمين هذا ضعفاً؟ إذن، في قاموسكِ، ما هو القوة؟ أن يكون الرجل متحفظاً، حذراً، محللاً، لا يعطي إلا بمقدار ما تأخذين؟ إن كان الصادق ضعيفاً، والغامضة قوية، فأي علاقة هذه التي تبشرين بها؟
إن أخطئت بتكملة التواصل فهو خطأه أكبر بوضع توقعات
صلي على النبي يا نورا . لو كان أخوكِ هو من كتب هذه المساهمة، هل كان ردكِ سيكون نفسه؟ تخيلي أن أخاكِ جاءكِ بنفس القصة امرأة تقول له "المشكلة عندي" ولا تغلق الباب، تقول مع الأيام بنشوف كلما طلب خطوة حقيقية، . ثم يأتيكِ أحدهم ويقول أين عقلك أنت؟ رسائلها كانت واضحة!. هل كنتِ ستقولين لأخيكِ أنت المخطئ الأكبر؟ أم أن قلبكِ كان سيرى شيئاً مختلفاً؟ جوابكِ على هذا السؤال سيكشف كل شيء.
الأهم أن نعلم أين أخطأنا ونحاول التعلم منه
طيب ماذا تعلمتِ أنتِ من هذه القصة؟ ليس هو. أنتِ. بعد كل هذا النقاش، ما الشيء الوحيد الذي يمكن أن تقوليه للمرأة في هذه القصة؟ هل تستطيعين أن تقولي لها، ولو لمرة واحدة، أنها أخطأت؟ أنها كانت مدينة له بكلمة واضحة؟ أنها استعملت الغموض كسلاح؟ أم أن دفاعك عنها سيظل مطلقاً، وسيظل الرجل هو المخطئ الأكبر الوحيد في كل سيناريو؟
التعليقات