عدتُ اليوم إلى "حسوب" بعد غياب لفترة وجيزة، وهي فترة كانت كفيلة بأن تضعني وجهاً لوجه أمام حقيقة قاسية: لقد أصبحنا نعيش في عالم يضج بالضوضاء والتوتر لدرجة أننا فقدنا الألفة مع الصمت أو مع ذواتنا.
خلال فترة انقطاعي، تأملتُ في حال جيلنا مقارنة بجيل آبائنا ومن سبقونا. هم أيضاً عرفوا الضجيج، لكنه كان "خارجياً" ومؤقتاً؛على سبيل المثال لا الحصر (كانوا يفتحون التلفاز ويرون أخبار الحروب مثلاً حرب الخليج أو الغزو على العراق ،وكذلك يسمعون في الإذاعة خطابات سياسية حادة وأخبار ونزاعات لا تنتهي،و يقرأون في الصحف حوادث يوميه وقضايا وإعلانات تغري وتّرهق الذهن،
لكن في عصرنا أو جيلنا فالأمر تضاعف لدرجة مخيفة.
فقد تسللت الضوضاء(الشاشات ،الإنترنت )
إلى أدق تفاصيل حياتنا تحت مسميات مختلفة وعصريات باعثه على القلق والتوتر المزمن، من صخب الفضائيات قديماً وصولاً إلى الزخم والضغط المستمر لوسائل التواصل اليوم والأحداث العاجلة التي لا تغيب في عن شريط الشاشات والمواقع الإخبارية.
السؤال الذي واجهته في عزلتي القصيرة: لماذا أصبح من الصعب علينا الجلوس لساعات بهدوء، أو لماذا لم نعد نجد انفسنا و ذواتنا في التفاصيل العادية بعيداً عن مشاركة الاخرين وتحت اعينهم؟
لماذا نهرب من لحظات الصمت الهادئ أو الوحدة، أو الاكتفاء بموسيقى هادئة إلى ضجيج الإشعارات اللامتناهي؟
الحقيقة أننا لم نعد محاطين بالضجيج وزخم ماتمطرنا به مواقع التواصل والشاشات،فقط! لكننا أدمنّاها.
أعرف أشخاصاً لايضعون الهواتف من يدهم إلا عند الضرورات القصوى! والأمرُّ من هذا انهم لا يستخدموه مثلاً لعمل أو منفعة انهم فقط في تمريرات لانهائية بين تطبيقات ومواقع ترهقهم بما يفوق طاقتهم ويسبب لهم تيه وتشتت وقلق وجمود إدراكي وهلم جرا.
أصبح الصمت والهدوء والوحدة يربكنا لأنه يضعنا في مواجهة مباشرة مع ذواتنا وأفكارنا، وهو ما يبدو أننا نخشاه.
غيابي الأخير ماكان قراراً انقطاع عن منصة رقمية، كسبب رئيسي لكنه كان محاولة لاستعادة "قدسية الهدوء" وممارسة تفاصيل عادية في عالم لا يتوقف عن الصراخ والضجيج والمشاركة.
هل جربتم الانقطاع والاختلاء بأنفسكم بعيداً عن هذا الضجيج الذي نعنيه ؟ وهل شعرتم بالراحة أم بالرتابة في عزلتكم وصمتكم؟
التعليقات