في إحدى الليالي، كنت أتصفح هاتفي بلا هدف تقريبًا حين وصلتني رسالة من صديق، كان آخر لقاء جمعنا قبل سنوات، ومع ذلك ـ نظريًا ـ لم تنقطع علاقتنا؛ فنحن “متصلان” دائمًا عبر التطبيقات.
كتب لي جملة قصيرة:
"هل شعرت يومًا أنك تتحدث مع كثير من الناس، لكن لا أحد يسمعك حقًا؟" (بعدها قمت بالاتصال به)
جملة عابرة، لكنها بقيت عالقة في ذهني، لأنها مألوفة أكثر مما ينبغي.
نعم ففي عصرنا لم يعد التواصل صعبًا كما كان.
بضغطة زر يمكنك مراسلة شخص في قارة أخرى، ومشاركة يومك مع مئات الأشخاص، وتلقي سيل من الردود والتعليقات. لكن مايشكوه الكثير هو تزايد شعورهم بالوحدة، كأن معنى القرب نفسه تغيّر.
صديقي يعمل في شركة مزدحمة، يحيط به الناس طوال اليوم، ويملك مئات المتابعين على حساباته.
هكذا كنت احسبه سعيداً ممتلأً وقته وحياته وحتى عاطفته،
لكنه فاجأني حينما أخبرني أنه في كثير من الليالي يشعر بوحدة قاتمة،ويكون في حاجة للحديث مع أي شخص … أي شخص.
تمرُّ في ذهنه أسماء كثيرة، لديه في قائمة جهات الاتصال الكثير، لكنه بعد أن يتعب من التقليب لايجد أحداً. قال إنه يعرف الكثير، ولكنه لا يعرف من يستطيع أن يسمعه حقًا دون استعجال، ودون مجاملة، ودون أن يشعر أنه عبء.
ثم اردف قائلاً مرة اخرى: "الغريب أنني أتحدث مع الناس كل يوم، لكنني لا أتذكر آخر مرة تحدثت فيها بصدق وأمان."
هنا تظهر المفارقة،الاتصال أصبح وفيرًا، بينما الحميمية نادرة، نتبادل الرسائل أكثر من أي وقت مضى، غير أننا نتبادل المشاعر أقل،نرى تفاصيل حياة الآخرين يوميًا، ومع ذلك لا نعرف ما الذي يثقل قلوبهم فعلًا.
التكنولوجيا غيّرت شكل التواصل، كما غيّرت إيقاعه أيضًا. العلاقات التي كانت تحتاج وقتًا وصبرًا وجلسات طويلة، تختصر اليوم أحيانًا في رد سريع أو رمز تعبيري، حتى الصمت المشترك بين شخصين لم يعد لحظة مريحة؛ أصبح فراغًا ينبغي ملؤه فورًا بصورة، أو مقطع، أو إشعار جديد.
المسألة لا تتعلق بالتكنولوجيا إنها وسيلة عصرية مهمة في كل الجوانب، وإنما بالطريقة التي نعيش بها داخلها.
كثير من تواصلنا يحدث أمام جمهور غير مرئي. نكتب منشورًا ونحن نفكر ضمنًا في عشرات العيون التي قد تقرؤه. نختار كلماتنا بعناية، نختار مواضيعنا حسب اتجاه الجمهور وإرضاءه،
ليس بدافع الصدق دائمًا، وإنما لنبدو مفهومين أو مقبولين أو مثيرين للاهتمام،
وهكذا يحدث أمر لافت وموجود لايمكن إنكاره:
كلما اتسع الجمهور، ضاقت المساحة التي نكون فيها على حقيقتنا.
صديقي أخبرني أنه أحيانًا يكتب منشورًا طويلًا عن يومه، فيتلقى إعجابات وتعليقات كثيرة. لكنه حين يغلق هاتفه يعود إليه ذلك الشعور المخيف بالوحدة والفراغ، كأن كل هذا التفاعل لم يصل إلى المكان الذي كان ينتظر أن يلامسه.
الإنسان، في جوهره، لا يحتاج إلى جمهور واسع بقدر ما يحتاج إلى شخص واحد يفهمه، شخص يرى ما وراء الكلمات، ويصبر على الصمت، ويستمع بصدق دون أن يحوّل كل حديث إلى نصيحة أو حكم.
الوحدة الحديثة ليست غياب الناس فما أكثرهم من حولنا، إنها غياب العلاقة الصادقة العميقة.
قد يكون الإنسان محاطًا بحشد من الأصدقاء الرقميين، ومع ذلك يشعر أنه يقف وحيدًا في غرفة واسعة.
كل هذا لا يعني ان نكون سوداويين ونقول أن العالم صار أكثر قسوة _وإن كان_ ولا أن العلاقات فقدت معناها.
المشكلة أبسط وأصعب في آن واحد: لم نعد نمنح العلاقات الوقت الكافي لتنمو ببطء. نبحث عن القرب السريع، والفهم السريع، والاهتمام السريع، بينما العلاقات الحقيقية تحتاج شيئًا مختلفًا… شيئًا لا توفره الإشعارات.
تحتاج إلى وقت، وإلى إنصات، وإلى قدر من الشجاعة لنقول للآخر: "أنا لست بخير تمامًا."
حين انتهى حديثي مع صديقي تلك الليلة، لم نصل إلى حل فلسفي كبير. تحدثنا فقط عن أشياء بسيطة، العمل، الأيام الماضية، والذكريات القديمة، قبل أن نغلق الاتصال قال لي:
"الغريب أنني لم أقل شيئًا مهمًا، ومع ذلك أشعر أنني أقل وحدة الآن."
ربما هذه الحقيقة التي ننساها في زمن الاتصال الدائم، الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون متصلًا بالجميع.
إنما يحتاج إلى أن يكون مفهومًا،حتى لو كان ذلك من شخص واحد فقط.
التعليقات