في يوم عادي تمامًا، جاءني اتصال من صديق يعيش في Gabon. بعد التحية والسؤال عن الأحوال، قال لي مباشرة:

"لدينا هنا جالية عربية كبيرة، ونفكر بإنشاء مدرسة عربية. خطر في بالي اسمك لتكون مدير المدرسة."

الفكرة بحد ذاتها كانت مغرية.

فأنا أعمل في المجال التربوي منذ سنوات، ولدي خبرة في الإشراف التربوي، إضافة إلى أنني أستاذ رياضيات. وكان المطلوب مني ليس فقط إدارة المدرسة، بل أيضًا المشاركة في تأسيسها من الصفر: وضع الخطوط التربوية، والمساعدة في اختيار الهيئة التعليمية المناسبة لهذه المهمة.

كان المشروع واضح المعالم:

مدرسة عربية تخدم أبناء الجالية، تقدم تعليمًا منظمًا يحافظ على اللغة العربية، وفي الوقت نفسه يواكب المناهج الحديثة.

حتى من الناحية المادية، لم يكن العرض سيئًا.

الراتب المقترح كان جيدًا ومشجعًا، خصوصًا إذا قورن بفرص العمل المتاحة عادة في المجال التعليمي.

لكن عند التفكير الجدي، ظهرت النقطة التي أوقفتني طويلًا.

الهجرة هنا لم تكن قرارًا فرديًا، بل هجرة عائلية كاملة.

أي أنني لن أذهب وحدي، بل سأنتقل مع عائلتي إلى بلد جديد، بثقافة مختلفة، وتكاليف معيشة مرتفعة نسبيًا. وهذا يعني أن العبء المالي على المدرسة سيكبر، لأن تأمين ظروف معيشة مناسبة لعائلة كاملة ليس أمرًا بسيطًا.

ثم هناك جانب آخر فكرت فيه بواقعية:

أطفالي يدرسون باللغة الإنكليزية، والانتقال إلى بيئة يغلب عليها الفرنسية سيشكل لهم صدمة لغوية وتعليمية ليست سهلة.

عند هذه النقطة بدأت الفكرة، التي بدت في البداية مغامرة جميلة، تصطدم بهدوء مع الواقع.

من جهة، المشروع جذاب:

تأسيس مدرسة جديدة في بلد بعيد تجربة نادرة، وأنا بطبعي أحب الأفكار التأسيسية والمغامرات المهنية.

لكن من جهة أخرى، هناك مسؤوليات لا يمكن تجاهلها.

بعد تفكير طويل، قررت عدم الإقدام على الخطوة.

لم يكن القرار ناتجًا عن خوف من المغامرة، بل عن قناعة نضجت مع الوقت:

أن الهجرة الكبرى غالبًا ما تناسب الشاب في بداية الطريق أكثر من الشخص الذي أصبح يحمل مسؤوليات عائلية وتعليمية معقدة.

الشاب يستطيع أن يغامر، أن يبدأ من الصفر، وأن يتحمل صدمات اللغة والثقافة والعمل.

أما حين تصبح العائلة جزءًا من القرار، فإن المعادلة تتغير بالكامل.

ومع ذلك، بقيت هذه الفكرة واحدة من التجارب الذهنية الجميلة في حياتي.

تجربة جعلتني أرى كيف يمكن لاتصال هاتفي بسيط أن يفتح أمام الإنسان باب قارة كاملة… ثم يغلقه بهدوء لأن الحسابات الواقعية تقول: ليس الآن.

سؤال للقارئ:

لو عُرض عليك مشروع مهني جذاب في بلد بعيد، لكن ثمنه هجرة عائلية كاملة… هل تقدم عليه أم تتراجع؟