حين نحاول إصلاح طفولتنا من خلال الآخرين
كثير من علاقاتنا في الكِبر لا تبدأ من الحاضر كما نظن، بل تمتد جذورها في أعماق الماضي. فداخل كل إنسان طفلٌ صغير ما زال يحمل ذكرياته الأولى، ومشاعره الأولى، وطريقته الأولى في فهم الحب والقبول. هذا الطفل لا يختفي عندما نكبر، بل يبقى في داخلنا يوجّه اختياراتنا أحيانًا دون أن نشعر.
ولهذا نجد أن الإنسان قد ينجذب أحيانًا إلى أشخاص يعيدون إليه مشاعر مألوفة عاشها في طفولته، حتى لو كانت تلك المشاعر مؤلمة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى المألوف، لأن المألوف – مهما كان قاسيًا – يبدو أقل غموضًا من المجهول.
فالطفل الذي نشأ وهو يسعى دائمًا لنيل حبٍ صعب، أو يحاول إرضاء قلبٍ بعيد، قد يكبر وهو يحمل هذا النمط في داخله. فينجذب دون وعي إلى علاقات تشبه قصته القديمة، كأنه يحاول هذه المرة أن يكتب نهاية مختلفة للحكاية. كأنه يقول لنفسه في أعماقه: ربما أستطيع هذه المرة أن أنجح في الحصول على ذلك الحب الذي عجزت عن الوصول إليه في الماضي.
لكن المشكلة أن الإنسان حين يحاول علاج جراحه القديمة من خلال الآخرين، فإنه يحمّل العلاقات فوق طاقتها. لأن العلاقة الإنسانية لا يمكنها أن تعالج جروحًا عميقة لم نلتفت إليها داخل أنفسنا.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي.
الوعي هو أن يتوقف الإنسان لحظة مع نفسه ويسأل:
هل اخترت هذا الشخص لأنه يناسبني فعلًا؟
أم لأن فيه شيئًا يعيد إليّ إحساسًا قديمًا اعتدت عليه؟
هذا السؤال الصادق قد يفتح بابًا واسعًا لفهم الذات.
وفي التربية الإسلامية نجد توجيهًا عميقًا يساعد الإنسان على التحرر من هذه الدوائر النفسية. فالإسلام يعيد توجيه القلب ليتعلق بالله أولًا، لا بالبشر. لأن القلب إذا امتلأ بالتعلق بالمخلوق، ظل يبحث عن الكمال في مكان لا يوجد فيه كمال.
أما إذا امتلأ القلب بمعرفة الله، صار أكثر اتزانًا في علاقاته، وأكثر قدرة على التمييز بين الحاجة العاطفية وبين الاختيار الواعي.
ولهذا نجد أن القرآن يربّي الإنسان على مراجعة النفس ومحاسبتها، قال الله تعالى:
{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}.
فحين يعتاد الإنسان أن ينظر في دوافعه الداخلية، يصبح أكثر وعيًا بأنماط اختياره، وأكثر قدرة على كسر الدوائر التي تكرر الألم.
إن الوعي لا يغيّر الماضي، لكنه يمنحنا فرصة جديدة في الحاضر.
فرصة لنتوقف عن محاولة معالجة جروحنا من خلال الآخرين، ونبدأ في معالجتها من الداخل: بالفهم، وبالمصالحة مع الذات، وبالقرب من الله.
وحين يلتئم القلب من داخله، تصبح علاقاته أكثر صحة وهدوءًا.
فهو لا يبحث عن شخصٍ يرمم كسوره، بل يلتقي بالآخرين وهو أكثر اكتمالًا وطمأنينة.
التعليقات