في عالم يموج بالاضطرابات الفكرية، وتتلاطم فيه أمواج الفلسفات النسبية التي تجعل "الحقيقة" وجهة نظر حمالة أوجه، يبرز تساؤل جوهري لدى الشاب المسلم: أين أجد الأرض الصلبة التي لا تهتز؟

إن أعظم هبة يمنحها التدين القائم على العلم الشرعي لصاحبه ليست مجرد "طمأنينة روحية" فحسب، بل هي "امتلاك المركزية". أن تتحول من كائن يدور في فلك الآراء، إلى إنسان يملك معياراً كونياً يحاكم إليه كل شيء.

العلم الشرعي: ليس مجرد معلومات، بل "رؤية للعالم"

حين تختار أن يكون الوحي (الكتاب والسنة) بفهم سلف الأمة هو مرجعيتك، فأنت في الحقيقة تعلن انتهاء عصر "التيه". الجمال هنا يكمن في أنك لا تخمن الصواب، ولا تنتظر نتائج استطلاعات الرأي لتعرف أين تقف. أنت تستند إلى "المسطرة" التي خُلق العالم ليكون مستقيماً بها. العلم الشرعي يمنحك "نوراً" تفرق به بين الحق والباطل في لحظات الفتن التي يرى فيها غيرك الأمور رمادية ومشوشة.

لذة أن تكون "على الحق" دائماً

قد يسيء البعض فهم هذه العبارة ويظنها نرجسية، لكنها في جوهرها هي "عزة المنهج". الروعة في التدين هي أنك "على الحق" من حيث المنطلق والمبدأ؛ لأنك تركت الهوى واتبعت الهدى.

في المنظومات الوضعية، يظل الإنسان قلقاً: هل سيتغير هذا القانون غداً؟ هل سأكتشف أن قناعاتي كانت خاطئة بعد عقد من الزمن؟ أما في ظلال الشريعة، فأنت تنام وقرارك، وموقفك، وولاؤك، وبراؤك، كلها مسندة إلى "ركن شديد". أنت لا تستمد مشروعيتك من كثرة التصفيق أو موافقة "الموضة الفكرية"، بل من موافقة الأثر.

الاستغناء بالوحي عن البشر

أجمل ما في هذا الطريق هو "الاستقلال الفكري" الكامل. العلم الشرعي يجعلك "أمةً" وحدك ولو خالفك أهل الأرض. إنه يمنحك الشجاعة لتقول للمخطئ أخطأت وللمصيب أصبت بناءً على موازين ربانية لا تحابي أحداً.

هنا تنتهي سيطرة "الآخر" على عقلك، وتبدأ سيادة "النص". أنت لا تقف "خلف" العالم لتراقب أين يتجه، بل تقف "فوق" تضاريس الأفكار كلها، تنظر إليها بميزان الوحي، فما وافقه قبلته وما خالفه نبذته، غير مكترثٍ بضجيج المنهزمين.

خاتمة: الملاذ الأخير

إن الالتزام بالدين ليس فقط في العبادات ( وهي والله بالمناسبة شيء رائع أعوذ بالله ان أهون منها )، بل هو اعتصام بحبل الله في زمن الانفلات. الثبات على الحق نعمة تستوجب الشكر، وأعظم شكرها هو الاستمرار في طلب العلم الذي يثبت أقدامنا كلما زلت القلوب.

الحمد لله الذي جعل لنا من شرعه نوراً، ومن وحيه دستوراً، ومن اتباع سلفنا الصالح أماناً من الغرق في بحار الأهواء.