ضريبة النضال بالعالم القروي.... جماعة اقايغان بإقليم طاطا المغرب نموذجا

-بين نبل النضال وعزلة المصلح-

تحدثنا بما فيه الكفاية.... الآن حان وقت الصمت.

​أنا أستاذ، ومشكلتي في الآونة الأخيرة أنني أصبحت نشيطاً جداً، خصوصاً في الميدان (الشأن المحلي الأقايغاني). أناضل بشراسة، ولا أدري ما هو الدافع؛ ففي بالي أنني كإنسان "أقايغاني" مستقر مادياً ومعنوياً، عليَّ المساهمة في دفع عجلة التنمية إلى الأمام ولو بدفعة واحدة... ولكنني تصادمت بواقع مؤسف ومؤلم. الناس يظنون أن مَن يناضل بدون مقابل فهو كمجنون، لأن في مخيلتهم لكل شيء ثمن، وليس لديهم شيء اسمه "فاعل خير". أنت تناضل إذن أنت تريد أن تصبح رئيساً للجماعة مثلاً، أنت تناضل إذن لديك أهداف لا يعرفها إلا هم، أنت تناضل إذن أنت مجنون، أنت تناضل إذن ليس لديك ما تفعله... والأهم أن لديهم فكرة مفادها "أنا وبعدي الطوفان"، فلتذهب "أقايغان" وأهلها إلى الجحيم.

​ناضلت بكل قواي جهداً ووقتاً، لكن للأسف بدون جدوى. قبل يومين قمت بنشر مقطع فيديو مدته 3:10 دقيقة تقريباً، أدعو فيه الجميع، وبالخصوص الشباب، إلى الالتفاف حول مبادرة مرادها تأسيس فضاء يحوي جميع الانتماءات، بهدف خدمة الإنسان والمجال والأرض، بمنطق "الاختلاف لا يفسد للود قضية" بينما "الخلاف يهدم كل شيء"... ولكن الفكرة استقبلها البعض بتشجيع كأن الأمر لا يهمه، وعلى أيٍّ هذه الفئة قالت خيراً رغم أن ذلك لا يكفي لأن العمل في الميدان هو المطلوب. والفئة الأخرى هي التي تستهزئ من المبادرة، كأنهم يقولون: "نحن نريد لبلدتنا أن تعود إلى الوراء وما شأنك أنت؟" (ههه).

​يا حسرتاه، كنت أنتظر منهم الدعم والمساندة والمشاركة، لكن للأسف هناك من يفرح عند مأساة الجماعة ككل، ربما هذا النوع يعانون من أمراض خطيرة تصيب القلب، شافاهم الله... على أيٍّ، في الأخير وبعد جهد طويل في الميدان، اتضح لي الأمر أنه يجب عليَّ الانسحاب.

​بالفعل انسحبت وقلت: تحدثنا بما فيه الكفاية.... الآن حان وقت الصمت.

​ولكن المعضلة الكبرى هي في قلب بيتنا؛ سأشرح الأمر جيداً. لديَّ أخ حديث التخرج بذات الجماعة، في البداية بدأت نضالي بمنشور ساخن دعوتُ فيه رئيس الجماعة إلى تسريع وتيرة المشاريع بالبلدة، علماً أن الولاية لم يبقَ فيها إلا عدة أشهر معدودة... آنذاك غضب مني وقال: "هل تريد أن تخرج عليَّ في مهنتي؟ لم أترسم بعد وأنت تتحدث عن الرئيس بهذه الطريقة!". تفهمت الأمر وقمت بحذف التدوينة على "الفيسبوك"، فقال لي: "حاول أن تمدح الرئيس ولو لم يفعل شيئاً". ضحكت وقلت: "إذن أنت تفكر في نفسك فقط". فالأصل أنني لا أريد إحراج رئيس الجماعة، فقط أبحث عن الحقيقة، وأنا لدي دراية بأن ميزانية جماعتنا محدودة وليست في مستوى تطلعات الساكنة... علماً أن السيد الرئيس صديق، وأنا مَن تدخل لأخي من أجل ذلك المنصب معه، وبالفعل قام بتوظيفه، وهذه طرق مشروعة عندنا في المغرب رغم...

​إلى حد هذه الأسطر الأمور على ما يرام... المعضلة كما قلت سابقاً هو أن أخي الموظف، كلما نشرتُ شيئاً على منصة "الفيسبوك"، يتصل بوالدتي ويقوم بتعكير مزاجها بلا شيء: "الحسين قام بوضع كذا وكذا على الفيسبوك". وأمي أميّة لا تفقه شيئاً في هذه الأمور، تتصل بي: "لماذا فعلت كذا؟"... نفس الشيء بالنسبة للوالد. وذات يوم أتيت إليهم، حيث أنا وأخي في "أقايغان" وعائلتنا في مدينة "أيت ملول"، أخذت رخصة لمدة ثلاثة أيام، ولما وصلتُ قالت لي والدتي: "سنذهب عند الراقي ليرقيك". وبالفعل ذهبنا وقمنا باللازم. في اليوم الموالي، الوالد بدوره قال لي: "سنذهب عند طبيب نفساني لنطمئن على صحتك". قلت: "ليس لدي أدنى مشكل"، علماً أنهم لاحظوا أنني أستيقظ صباحاً أصلي ثم أقرأ كتاباً أو أكتب مقالاً... وفي الغالب قبل كنت أصلي وأرجع إلى النوم. المهم ذهبنا عند الطبيب، تحدثنا بما فيه الكفاية، قال لي الطبيب: "يا حسين اطمئن وواصل في دربك"، ووالدي اطمئن كذلك... وأنا في الأصل أعرف مَن أنا وأستوعب ما يفعله. ولما رجعنا من الطبيب سألت أمي أبي: "هل ناوله الطبيب الدواء؟ أينه؟"... وأخي الموظف هو الذي أشعل النار، لماذا؟ الله أعلم.

​الأهم أنني رجعت إلى البلدة وواصلت نضالي بكل حب وأجد سعادتي في ذلك، لأنني أناضل في الميدان وبالفكر، ففي مواقع التواصل أنا فخور بنفسي وهذا أهم شيء، وراحتي فوق كل اعتبار، فوق رضا الوالدين بالنسبة لي ولو... مرت الأيام وعدت إلى "أيت ملول" بعد معركة في الساحة النضالية الأقايغانية، وما راقني كثيراً هو أنني أناضل بالفكر ليس "جعجعة"... والكل يتعجب في البلدة (ههه).

​بعد وصولي إلى البيت، أمي تنظر إلي بنظرات الفحص: هل ابنها بخير أم أنه بالفعل مجنون؟ والأخت كذلك بمشادات كلامية حادة تقول: "أنت مجنون عليك أن تعتني بنفسك"، وأنا بابتسامتي المعهودة قلت لها: "أنا كذلك وأفتخر". الأب تفهم الأمر بكل روح رياضية وقال لي: "بني استمر ولكن بهدوء".

​اليوم قررت السفر من أجل أخذ قسط من الراحة في مدينة أخرى، ووجهتي هي العيون الهادئة. بعد أن قلت للأم سأسافر، قالت لي هي وأختي: "إلى أين أنت ذاهب؟ أنت في حالة يرثى لها عليك بزيارة طبيب" (ههه). المهم يريدون أن يطبعوا الجنون على جبهتي رغماً عني، وقلت للوالدة بكل هدوء: "عليكم بالاختيار بين أمرين، أولهما أن تحترمونني وتحترموا اختياراتي، أو سأطالب بالانتقال إلى وجهة لا تعرفونها آنذاك سأمارس شغبي بكل حرية"... وبعد مشادات غادرت البيت وحاولت الاطمئنان على أمي وانصرفت. بالفعل أنا في الطريق إلى مدينة العيون إن شاء الله.