هل فعلًا كان كلُّ جميلٍ مرتبطًا بوجودكِ!
أم أنَّ هذا وهمٌ أقنعتُ نفسي به حتى التهمني!
أو دعينا نقول إنَّها لعبةُ القدرِ المعقَّدة..
لا يهمُّ العنوانُ الذي سأبدأ به يا عزيزتي، فإنَّني موجودٌ هنا لأكتبَ لكِ عن بضعِ أشياءٍ غيرِ مرئيَّة، مثل خيوطِ القدرِ الخفيَّة التي شاءت أن تجمعنا، وحاكت بين قلوبنا أُلفةً لم أجدْ لها تفسيرًا حتى اليوم..
لم أعد أشتاقُ إليكِ كما كنتُ في السابق، فتلك اللهفةُ ذابت بفعلِ الزمن.
مصطلحُ اللهفة أعادَ لذاكرتي مصطلحًا آخر يشبهه لغويًا، ستذكرينه حتمًا، أعلمُ أنَّكِ ماهرةٌ في ممارسةِ النسيان، لكن ليس هذه المرَّة..
الدهشةُ، الدهشةُ يا عزيزتي!
آهٍ من هذه الكلمة، أَدركتِ ماذا أقصد، صحيح؟
"ألا تغيبُ الدهشةُ بالتكرار؟"
هذه الجملةُ كنتُ قد اقتبستُها مرَّةً في الماضي، في ليلةٍ شتويَّةٍ ماطرة، ونحن نتحدَّث سويَّةً، ولم أدرِ في حينها أنَّها ستصبحُ نقشًا لا يُمحى مع مرور الوقت.
فلقد أعدتُ إحياءها ذاتَ مرةٍ في عيدِ ميلادكِ بعد أن فرَّقتنا الأيَّام، وكتبتُها لكِ على مقدِّمةِ كتابٍ قد أهديتُكِ إيَّاه؛ جملةٌ كنتُ أظنُّها ستمرُّ مرورَ الكرام مثلها مثل ألفِ جملةٍ أخرى كنتُ أسرقها وأقتبسها في أيَّامٍ جمعتنا، في محاولةٍ منِّي لملامسةِ جدارِ قلبٍ (يعزُّ عليَّ أن أصفَ قلبكِ بالوصفِ الذي خطرَ على بالي في هذه اللحظة).
ولم أكن أدري أنَّ تلك الجملةَ لن تكون عابرةً مثل الباقي، بل ستكونُ عنوانَ كلِّ شيءٍ يتعلَّق بما جمعنا سويَّةً..
الأصواتُ الصاخبةُ المتعلِّقةُ بكِ، التي كانت تتردَّد في ذهني، خفَتت مع الأيَّام، حتى أصبحت أقربَ إلى سكونٍ لا يُسمعُ حسيسُه.
أمواجُ الشوقِ الهادرةُ التي كانت تضربُ شواطئَ هذا القلب، هدأت، وتحولت بفعلِ الزمن إلى ما يشبهُ جريانَ نهرِ أرنو الهادئ، الذي يعبرُ ريفَ توسكانا الدافئَ في إيطاليا..
ولكن يا عزيزتي، أيُّ قوَّةٍ في الدنيا تستطيع أن توقفَ نسماتِ الصيفِ الباردةَ عن هبوبِها في ظهرِ يومٍ من أيَّامِ آبَ المحترقة؟
كعادتي، لا زلتُ أطرحُ الأسئلةَ وأُبقي الأجوبةَ مفتوحةً، وأعجزُ عن إغلاقِ هذه المتاهاتِ المبهمة.
ولكنَّ الفرقَ اليومَ يختزلُ في أنَّكِ كنتِ تُشاركينني الاستفهامَ والاستغرابَ عن ماهيَّةِ كلِّ سؤالٍ كنتُ أطرحه، واليومَ قلبي لا يجدُ أنيسًا يحملُ معه هذا الثقل.
هذا هو الفرقُ الوحيد، ليتكِ تعلمينَ ببشاعتِه رغمَ صِغَرِه..
التعليقات