كانت تجلس بين زميلاتها، تُصغي إلى أحاديثهن التي تتدفق كجداول صغيرة، كلٌّ تحكي عن أملٍ أو عن محطة في حياتها. غير أنها، وسط هذا الضجيج الهادئ، كانت غارقة في صمتٍ داخلي لا يراه أحد. تدور في رأسها فكرة واحدة: القرارات المؤجَّلة. تعرف في أعماقها أن تلك القرارات هي الصحيحة، لكنها تُؤجَّل دائمًا، يُحاصرها الخوف من الندم، فيُثقل قلبها ويطيل عليها الطريق.

ترى نفسها تحمل الأيام كأنها حقائب زائدة عن الحاجة، ثقيلة، ومع ذلك لا تملك أن تضعها جانبًا. ثم يطلُّ في داخلها صوتٌ خافت، كأنه رجاء:

«ربما، في لحظة من هذه السنة، يتغير كل شيء».

رفعت بصرها قليلًا، وهمست في سرّها: «يا الله، أتبرأ من حولي وقوتي، وألجأ إلى حولك وقوتك. صبّرني على مرارة صبري هذا».

كانت الرغبة بالهرب تشتعل فيها؛ هربٌ بلا وجهة، بلا خارطة، بلا سؤال. لكنها لم تعرف لماذا ما زالت تنتظر، ولماذا تتمسك بخيطٍ لا تراه، سوى أنها على يقينٍ بأن الله يراها. يراها وهي تحبس دمعةً تأبى النزول، يراها وهي تتماسك رغم انكسارها، يراها وهي تتقن الانتظار أكثر مما تتقن العيش.

وكانت متأكدة، في عمق هذا الصراع، أن يوماً ما سيأتي التغيير. يومًا ما، ستلتفت إلى الوراء وتفهم أن الله، وهو الذي رأى كل ما مرّت به، لم يتركها قط، بل كان يدبّر لها الفرج بصبرٍ يليق بقلبها المثقل.