في ليلة قبل خمسة عشرة عامًا، أنهيت فروضي المدرسية وكانت أمي تجلس جواري، وبحنانها المعهود تعلم أنه وقت خلق لعبة ترفيه منزلية دافئة تناسب شتاءً باردًا.

نظرت لي وابتسمت، ثم طلبت ورقة بيضاء وبدأت تطويها بمجموعة من الأنماط المعقدة، شكلت في النهاية زورقًا ورقيًا بديعًا.

لم يكن ذلك أول زورق تصنعه لي ماما، لكن وفي كل مرة كنت أحب زورقها، وأحب متابعة يدها وهي تنفذ أحجيتها العجيبة حين تصنعه. 

كبرت قليلًا، وجاء الوقت الذي علمتني فيه صناعة الزوارق، وعلى كون الأحجية لم تعد كذلك، لم تتوقف أمي عن منحي الزوارق ولم أتوقف عن الانبهار بها.

شاهدتها تصنع الزوارق بكل شىء، غلاف قطعة حلوى، وورقة من كراسة رسم، وحتى كيسَ مقرمشات البطاطس البلاستيكي.

كل طفل دخل منزلنا غادر بزورق -صغيرًا كان أو كبيرًا- أيًا ما كانت القرطاسة التي سقطت بيد أمي وقتها. 

لم تصنع أمي أي ألعاب ورق أخرى 

أما أنا ففي فترة ما قررت تعلم الكثير عن فن الورق أو الأوريغامي الياباني، صنعت طائر الكركي، وزهرة اللوتس وطائرات ورقية بموديلات عدة، لكني الأن نسيت أغلب ما تعلمته.

أما ماما فتعلمت فقط صناعة زورق بسيط، ولم تتوقف عن صنعه واهدائه أبدًا. 

زورق أرى فيه صورة أمي التي أحبتنا جميعًا.. 

كثيرًا ما سألت نفسي

لما كل تلك الزوارق؟ ولم عددها يفيض لدرجة تغطية كوكبنا اذا اجتاحه فيضان نوح..

الحقيقة لا أريد أن أسألها فالاجابة التي ستقولها أمي هي أنها تحب العبث بالورق ولا تُحسن إلا ذلك الشكل.

سيشبه هذا ما قاله هيمنجواي عن مرويته (العجوز والبحر) حين جال النقاد في رمزيتها وقاموا وقعدوا فصرخ فيهم أنه لا رمزية هنا وأن العجوز والبحر مجرد قصة عن عجوز وبحر.

أفضِّل أن يبقى خيالي تجاه زوارق أمي حاضرًا، وفداءً لرومنسيتي سيبقى هدف صنعهم سرًا لن أبحث عنه أبدًا.