حتى الصخر له طاقة احتمال… فماذا عنّا؟

"الصخرة تحمّلت الكثير من الضربات، لكنها تفتّتت عند الضربة الخمسين. لم تكن الضربة الخمسين هي ما فعل ذلك، بل كلّ الضربات السابقة."

— أحمد خالد توفيق

نحن كثيرا ما نتحمّل تصرفات الآخرين: كلمات قاسية، تجاهلًا متكررًا، وغيابًا غير مُبرَّر. نصبر، ونتظاهر بالقوة، وندّعي أن الأمر لا يؤثر فينا. ولكن الحقيقة أن النفس البشرية، مهما بلغت من الصلابة، لها حدود. أحيانا لا تكون القطيعة أو الانسحاب بسبب موقف واحد، بل نتيجة تراكمات طويلة حاولنا تجاوزها مرارًا، حتى جاء ذلك الموقف الأخير—"الضربة الخمسون"—ليكون بمثابة النهاية، لا لأنه كان الأشد، بل لأنه أتى بعد كل شيء. أفكر كثيرا في هذا المعنى حين أتأمل العلاقات التي انتهت بهدوء، بعد صبر طويل. كم من شخصٍ لم يكن يريد الرحيل، لكنه اضطرّ إلى ذلك لأن طاقته قد نفدت.

ماذا عنك أيضا؟

هل تمثل لك هذه المقولة تجربة مررت بها؟

هل سبق أن وصلت إلى "الضربة الخمسين" مع شخص ما؟

أم أنك ما زلت تُحصي الضربات بصمت؟


عندما نصل للضربة الخمسين تكون طاقتنا انتهت ولا يكون لدينا أي استعداد حتى لوجود أي نوع من التفاهم، لذلك أرى ضرورة قطع العلاقات قبل "الضربة الخمسين" حتى يكون هناك مجال متبقي من الطاقة حتى للتعامل بطريقة عادية، ولا نصل لدرجة أن نكره رؤية شخص ما أو سماع سيرته.

لذلك أرى ضرورة قطع العلاقات قبل "الضربة الخمسين" حتى يكون هناك مجال متبقي من الطاقة 

غالبا يكون هذا غير ممكن خصوصا إذا كانت هذه العلاقة علاقة مصاهرة أو قرابة؛ لكن على ما أظن إذا كانت غير ذلك فقد يكون قطع العلاقة من الضربة الأولى وليس حتى العشرين. برأيي كلما كانت الروابط أقوى كان تفادي الضربات حتى أقل بكثير لعدم القدرة على الهرب.

حتى في علاقات القرابة يمكن أن نحدد ونقلل انفتاحنا على الآخر، فلا نحكي له عن خصوصياتنا ونقدم له قليل من التجاهل، قد يساعد ذلك على تحديد العلاقة لو كانت مؤذية، وفي نفس الوقت لا تصل بنا لكره شخص أو الاضطرار لاتخاذ مواقف أشد ضده.

لكن يا جورج ماذا لو كانت العلاقة لا تقتصر على الخصوصية؛ مع أنني أساسا أصبحت أميل لوججهة النظر التي تقول أنه لا خصوصية بعد ظهور مواقع التواصل لكن دعنا من هذا.

قد يتعدى الأمر أكثر من الخصوصية؛ فقد يكون الشعور مثلا بعدم الأمان في تواجده أو أحيانا الشعور بالذنب لسبب ما؛ يعني مثلا لو مجموعة من الفتيات في العائلة غير متزوجات وهناك فتاة متزوجة وهن أكبر منها مثلا ب10 أو 15 سنة فكيف تستطيع الهروب أو حتى تقليل الاحتكاك؟ ألن يصل لها شعور بأن شيئا ما مريب والعكس صحيح؟ هذا قد يحدث كثيرا حتى بشكل لا إرادي خصوصا في بلادنا العربية ولا أخفيك سرا أنني نفسي أشعر به عندما أتعامل مع بعض موظفيّ في العمل وأنا أصغرهم سنا ولدي بيت وبيزنيس وهم لا زالوا موظفين وحيات بعضهم غير مستقرة، وأعرف أنك قد ترد عليّ بأن هذا شيء قدري أو مبني على الحظ لكنك على أي حال تتعرض لضغط حتى ولو بشكل غير مباشر.

صحيح أن الرحيل قبل "الضربة الخمسين" ممكن أن يكون أرحم، لكن الحقيقة إن بعضنا لا يرحل لأنه يحب بصدق، يبرر ويعذر وينتظر، ليس لأننا لا ندرك الألم، بل لأن الفقد أصعب من الاحتمال، حتى نصل إلى النقطة التي لا يعود فيها شيء نستطيع التمسك به، فنرحل منهكين، لم نعد نحتمل البقاء.