اشتقت إلى الروتين الممل 💔

كنت أظنه مملاً ، لم أكن أدري أنني سأنفجر بكاءً في أحد الأيام لهفة و حنيناً إلى الروتين الشاق .

كنت أستيقظ مع أذان الفجر ، أصلي و أتجهز للذهاب إلى الجامعة ، كنت شغوفة طموحةً إلى تحقيق حلمي بأن أكون طبيبة مميزة في أحد الأيام ، خلال الطريق أقرأ أذكار الصباح و أتأمل المناظر الخلابة ،أصل على موعد المحاضرة الأولى ، أحاول التركيز إلا أنني منهكة لأنني نمت متأخرة في الليلة الماضية ، انتهت المحاضرة أخيراً ، أنزل إلى الكافتيريا أشتري مشروباً ساخناً لإيقاظ داخلي ، ثم أذهب بهمّة إلى المحاضرة الثانية ، أحاول الإجابة على أكثر الأسئلة و أسجل معظم الملاحظات ، من ثم المحاضرة الثالثة و الأخيرة كذلك ، ينتهي الدوام بانتهاء طاقتي ، أركب سيارة من الموقف و أعود إلى المنزل ، أستلقي على سريري ، لا يكاد يمر ساعة فإذا بأبي قد عاد من العمل ، تنادي أمي لتجتمع الأسرة على مائدة الطعام ، ما هذه اللذة ، كل شيء جميل للغاية ، نتبادل مواقفنا المميزة لهذا اليوم ، ثم يذهب كل منا إلى أشغاله ،مع أذان المغرب نجتمع في غرفة المعيشة ، نتحدث و تعلو أصوات الضحكات ، كلنا ملتفون حول أميرة البيت أختي الصغيرة و نراقبها كيف تكبر و ما الجديد الذي تعلمته ، ثم نذهب إلى منزل جدي و جدتي لنتسامر معهم و صدفة نتلاقي مع أعمامي و أبنائهم ، يحلو الجلوس وسط جلسة عائلية غاية في الجمال .

كانت أياماً جميلة تحن لها القلوب حقاً رغم كل الضغوطات التي كنا نعيشها إلا أنني أتمنى لو أنها تعود يوماً ، لو يعود منزلي محاطاً بالجدران ، لو يعود جداي إلى الحياة ، لو أجد والدي المفقود حياً و أحتضنه بشدة ، لو تجتمع العائلة و تحلو الجلسة .


الروتين في خيام النزوح يخنق الروح في كل لحظة ، تستيقظ فجراً على صرخات الأطفال حول تكية الطعام يصطفون دوراً قبل ساعات من بداية تحضيره لضمان الحصول على طبق منه فهو لا يكفي للجميع ، ترتب الأقمشة التي كانت تغطيك ثم تقوم لتصلي و تدعو أن تنتهي هذه الغمة ، في السادسة تماماً و مع بداية النهار تبدأ الزوارق الحربية تلقي قذائفها على الشاطئ لترعب النازحين و تدمر ما تبقى من ركام ، ثم في السابعة تخترق أشعة الشمس قماش الخيمة البالية لتحرق رأسك ، نحاول وضع الفراش فوق الخيمة علها تحجب شيئاً من الحرارة ، ثم تبدأ الغصة نسمع أصوات الصراخ و القصف و الدمار تغطي على أصوات أمواج البحر الذي أمامنا ، نحاول ترتيب أولوياتنا فهناك ملابس تحتاج الغسل ، و أطفال بحاجة لإطعامهم و الكثير من الأمور التي لا تنتهي ، نضع الملابس في إناء ينقره الصدأ ، نحاول الحصول على بعض المياه لغسلها ، فالمياه صعبة التوفير أساساً ، نضطر للذهاب إلى محطة بعيدة لشراء بعض الماء لقضاء حاجاتنا ، تجلس تحت أشعة الشمس لتغسل الثياب ، ثم تحاول تحصيل القليل من الطحين لصنع الخبز للأطفال ، تضع رشة من الزعتر في الرغيف ليشبع معدة الصغير ، ثم تتألم باقي النهار إلى أن تتوارى أشعة الشمس ، تجلس العائلة تحاول التسامر و التخفيف عن بعضها ، يجددون أملهم كل يوم ، يدعون بالاجتماع بأحبتهم الذين افترقوا عنهم ، ثم ينامون على أمل العودة و الفرج .