كتب: د. محمود المنير
لم تعد المعرفة في عصرنا مجرد تراكم للمعلومات، ولا غاية التعليم أن نحفظ ما كُتب ونردده كما هو. المعرفة الحقيقية هي تلك التي تُنتَج، لا تلك التي تُستهلك فقط. إنها فعل عقلي خلاق، يبدأ بالسؤال، وينمو بالتفكير وبالتحليل وبالنقد، ويكتمل بالقدرة على الإضافة والتجاوز. وإذا كان تاريخ الحضارة الإسلامية والعلمية يشهد بشيء، فهو أن علماءنا لم يكونوا مجرد ناقلين، بل صناع معرفة، ومؤسسي مدارس فكرية، ومجددين في مناهج التفكير قبل أن يكونوا شارحين للنصوص.
لقد كان علماؤنا في الماضي يتعلمون ليضيفوا، لا ليكرروا. لم يكتفوا بفهم ما وصل إليه السابقون، بل كانوا يرون في المعرفة مشروعًا مفتوحًا للتطوير. لذلك ظهرت علوم جديدة، وتطورت مناهج البحث، وتراكمت الاكتشافات في الطب والفلك، والرياضيات، واللغة، والفلسفة. لم تكن المكتبات مجرد مخازن للكتب، بل مختبرات للأفكار. ولم يكن التعليم عملية تلقين، بل حوارًا بين العقل والتراث والواقع. واستشراف للمستقبل.
أما اليوم، فقد انزلقت كثير من المؤسسات التعليمية إلى نموذج استهلاكي للمعرفة، حيث يُقاس التفوق بقدرة الطالب على الحفظ، لا على التفكير، وبقدرته على استرجاع المعلومات، لا على إعادة صياغتها ونقدها. هذا النموذج يصنع متعلمين، لكنه لا يصنع علماء، ويُنتج مستهلكين للمعرفة، لا صناعًا لها. لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف التعلم بوصفه عملية إنتاج معرفي، لا مجرد استيعاب لما هو موجود.
صناعة المعرفة تبدأ من السؤال. السؤال ليس علامة جهل، بل دليل وعي. العقل الذي لا يسأل، لا ينتج معرفة، بل يستهلكها فقط. ثم تأتي القدرة على النقد، أي تفكيك الأفكار السائدة، واختبارها، ومقارنتها، بدل قبولها بوصفها حقائق نهائية. النقد هنا لا يعني الهدم، بل يعني الفهم العميق الذي يميز بين ما هو قابل للتطوير وما هو قابل للمراجعة.
ومن آليات صناعة المعرفة أيضًا امتلاك المنهج العلمي، أي القدرة على تنظيم التفكير، وصياغة الإشكاليات، واختيار الأدوات المناسبة للتحليل، وربط النتائج بالسياق النظري والواقعي. المنهج ليس قالبًا جامدًا، بل عقلًا منظمًا يعرف كيف ينتقل من الملاحظة إلى الفرضية، ومن الفرضية إلى البرهان، ومن البرهان إلى التفسير.
كما أن القراءة المنتجة تمثل ركيزة أساسية في بناء المعرفة. القراءة التي تصنع المعرفة ليست قراءة استهلاكية، بل قراءة حوارية، يتفاعل فيها القارئ مع النص، يسأله، ويعارضه، ويعيد تأويله. ومن دون هذه القراءة النقدية، تتحول الكتب إلى سلطة، لا إلى أدوات للفهم.
ولا تقل أهمية الكتابة عن القراءة في عملية إنتاج المعرفة. فالكتابة ليست مجرد تسجيل للأفكار، بل وسيلة لاختبارها وصقلها. حين يكتب الإنسان، يكتشف ثغرات تفكيره، ويعيد ترتيب رؤيته للعالم. لذلك كانت الكتابة عند العلماء القدماء جزءًا من عملية التفكير نفسها، لا مرحلة لاحقة لها.
وأخيرًا، لا يمكن لصناعة المعرفة أن تزدهر من دون بيئة ثقافية تشجع على التفكير الحر، وتكافئ الإبداع، وتقبل الاختلاف. المعرفة لا تولد في مناخ الخوف، بل في فضاء الحوار البناء وتنمو في ميدان الحرية وتزهر في الحقول والمصانع ومؤسسات صنع القرار. وحين ندرك أن التعلم ليس لحفظ الماضي فقط، بل لبناء المستقبل، سنعيد للمعرفة معناها الحقيقي: أن تكون قوة منتجة، لا ذاكرة صامتة.
التعليقات