بينما كنت أشاهد حفل افتتاح المتحف الكبير، شدّني التفكير في كمّ العلوم المتداخلة وراء كل قطعة أثرية نراها تاريخ، طب، هندسة، كيمياء، لغات، وتكنولوجيا. وقتها خطرت لي فكرة ماذا لو اجتمعت كليات الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي مع الطب والآثار في قسم واحد قسم يربط بين علم البيانات والتقنيات الحديثة وبين الطب عند المصريين القدماء لتحليل النصوص الطبية والنقوش القديمة ومحاكاة وصفات العلاج باستخدام الذكاء الاصطناعي فبهذا الدمج يمكن أن نعيد اكتشاف كنوز معرفية جديدة، ونفهم الماضي بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.
هل أنتم مع دمج الذكاء الاصطناعي بعلوم الطب والآثار؟
دمج علوم الحاسبات والذكاء الاصطناعي مع الطب والآثار فكرة عبقرية فعلاً بس كمان بتفتح باب كبير للنقاش مثلًا، هل تعتقد إن الذكاء الاصطناعي يقدر فعلاً يفسّر المعاني الرمزية في النصوص القديمة زي ما كان يفهمها الكهنة أو الأطباء وقتها؟ لأن اللغة وقتها مش مجرد كلمات دي كانت مرتبطة بعقيدة وفكر وفلسفة حياة كاملة.
أوافقك تمامًا يا ياسمين فربما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم الرموز والمعاني العميقة كما كان يدركها الإنسان القديم، لكن هل يعني ذلك أن نمنعه من المحاولة..... أحيانًا تفتح لنا التكنولوجيا نوافذ جديدة على الماضي لم نكن لنراها بعيوننا وحدنا، وربما يكون التعاون بين الإنسان والآلة هو الطريق لفهم أعمق للحضارات القديمة.
بالظبط فالتكنولوجيا لا تأتي لتحلّ محل الإنسان، بل لتضيف إلى قدرته على الفهم. الذكاء الاصطناعي قد لا يمتلك الحسّ الإنساني الذي يفسّر الرموز بروحها، لكنه قادر على تحليل الأنماط والربط بين التفاصيل التي قد تغيب عنا، مما يمنح الباحثين منظورًا جديدًا. الجميل في الأمر هو التكامل الإنسان يقدّم الحدس والمعنى، والآلة تقدّم الدقة والسرعة. وأرى بهذا اللقاء بين العقلين البشري والاصطناعي يمكننا أن نعيد قراءة التاريخ بطريقة أكثر عمقًا وإنصافًا.
هي فكرة موجودة أصلا، غير جديدة، تعبتر هذه المجالات هي المجالات الأولى التي تم تطبيق الذكاء الاصطناعي عليها، أصلا جزء كبير من الدراسات الأثرية الحديثة قائمة على فكرة المحاكات بالذكاء الاصطناعي والطب أيضاً،أما فهم وتفسير المعاني والنصوص القديمة فتلك ليست عملية خاص بتحصص الآثار وحده، تدخل فيه علوم أخرى متعددة، الدراسات اللغوية، التاريخ، علم الأديان وعلوم الحفريات وعلوم الارض وغيرها، والمعنى والتأويل لا يعطيه علم واحد بل بتعاون وتشارك الكل .
أتفق معكِ يا خلود أن الذكاء الاصطناعي طُبّق فعلاً في مجالات الطب والآثار، لكن في الغالب هذه التطبيقات كانت في الدول الأجنبية التي تمتلك بنية بحثية متقدمة. أما في عالمنا العربي، فما زال هذا النوع من الدمج محدودًا ومجزّأ بين مشروعات فردية أو دراسات متفرقة.
ما أقترحه هو أن ننتقل إلى مستوى مؤسسي يُعرف في الأوساط الأكاديمية باسم «الدراسات البينية»، أي دمج أكثر من تخصص في مجال واحد يقوم على التعاون المستمر بين الخبراء من خلفيات علمية مختلفة.
بهذا الشكل، يمكننا أن نؤسس لتخصص عربي جديد يجمع علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي مع الطب والآثار واللغويات، ليصبح لدينا منظور عربي متكامل لفهم التراث العلمي القديم بوسائل حديثة، لا مجرد اعتماد على تجارب الآخرين أو محاكاتها.
التعليقات