في مشاركة سأل صاحبها عن الحلول التي يجب تطبيقها لمحاولة إصلاح التعليم. أثارت في شيء ما فكتبت ردا فطال الرد فأردت أن أشاركه منفصلا عله يصل إلى الجميع لنتناقش حوله.
موضوع التعليم من أكثر المواضيع تعقيدا، و ذلك لأنه مرتبط بالمجتمع وتغيراته من الطفيفة منها حتى أكثرها عنفا. التغير في ثقافته، أحواله الإقتصادية و موقفة من التعليم.
الموقف الجمعي تجاه التعليم.
إن موقف المجتمع الجمعي تجاه التعليم هو موقف لاواعي يتكون في المخيلة الجمعية للمجتمع وتفرضه عليه قيمته في عيون الأغلبية العظمى منهم متأثرين بقيمة مخرجاته، فالموضوع أصبح إقتصاديا بحتا. مؤسسات "تبيعك" تعليما لتخرجك بشهادة ترفضها مؤسسات أخرى لا تريد إلا الخبرة. تلك الخبرة التي لم يمنحك إياها التعليم ورغم ذلك تتطلب منك تلك الشهادة على أي حال وذلك لأنها غالبا ما تكون نفس المؤسسات التي تمنحها.
يمنحنا قانون جودهارت منظورا دقيقا عن المرض الذي أصاب نظام التعليم الحديث من نشأته. ذلك النظام الذي خلق خصيصا لمد الآلة الصناعية الجبارة بلأجساد البشرية لتتغذى عليهم. تمنحها عمرك وصحتك لتحصل على مايكفيك لتعيش حتى نهاية الشهر مع الوعد الزائف بالأمان.
فقدت البشرية إيمانها بجدوى التعليم "بمفهومة المؤسساتي" عندما فشل في تحقيق وعوده، و هذا اﻷمر يصبح أكثر تجليا كل يوم. فلا يرون قيمة للتعليم ويحتقرون المعلم الذي هو ضحية لهذا النظام ليس مرة بل مرتين.
المعلم.
الحلقة الأضعف. وسيلة لغاية وهي أن تكتمل شخصيات المسرحية.
لا يرى المعلم أي تقدير سواء كان مادي أو حتى معنوي، فهو أخر مايفكر فيه أصحاب تللك الصناعة. فيضطر إلى الإنضمام -سواء أراد أم لم يرد- إلى الإنضمام إلى تلك التجارة المزدهرة خارج أروقة المدارس. سوق سوداء موازية وهي " الدروس الخصوصية".
أصبح المعلم بلا قيمة عندما إقتنع الطالب أنه بلا قيمة متأثرا بالاوعي الجمعي الذي تحدثت عنه. لا قضية سامية هنا. بشر يتفاعلون تحت قوانين ضمنية تكونت في المخيلة الجمعية لهم متأثرة بعوامل خارجية. فالتعليم ليس منعزلا بل هو في قلب كل شيء.
و ما الحل إذا؟
الحل ليس فى مواجهة التردي بالحلول السطحية التي تركز على المظهر وليس الجوهر كتغيير المناهج أو التحول إلى التعليم الخاص. حتى الإهتمام بالمعلم كما يقترح الكثيرين ليس إلا إستكمالا لدائرة القمع الموجه ضد لمعلم وتحميله اللوم والعبء كاملا.
الحل يأتي بتغيير جذري لثقافة المجتمع تجاه التعليم. الإهتمام بجعل مخرجاته أكثر قيمة من ورقة تثبت إتمامه.
أشعر بثقل كلماتك وأنت تصف كيف أصبح التعليم سلعة، شهادة بلا روح، ومعلم يعامل كأداة في مسرحية كبرى عنوانها الربح. نعم، لقد فقدنا الإيمان بالتعليم المؤسساتي لأنه خذلنا؛ وعدنا بالأمان والازدهار، لكنه ألقى بنا في دوامة الخبرة المطلوبة التي لا يمنحها، فتحول إلى لعبة قاسية من الأوهام. المعلم، يا صديقي، هو الضحية الأولى والأخيرة، يُهمل ماديًا ومعنوياً بشكل مقصود ومتعمد منذ فترة ليست بالقصيرة، فيضطر للهروب إلى سوق الدروس الخصوصية كمن يبحث عن قارب نجاة في بحر هائج لتغطية نفقات الحياة. أتفق معك أن الحل ليس في تغيير المناهج أو تلميع المظهر، بل في ثورة ثقافية تعيد للتعليم قيمته الحقيقية، تجعل مخرجاته أكثر من ورقة معلقة على الحائط (الكارثة التي تجعل من كل شيء هو مظهر شكلي). نحتاج أن نزرع في المجتمع إيمانًا جديدًا بأن التعليم هو بناء إنسان واعي، وليس مجرد تذكرة لسوق العمل. أحلم بيوم يُنظر فيه إلى المعلم كبطل، وإلى الطالب كمستقبل حقيقي (ليس مجرد شعار)، وإلى التعليم كروح المجتمع، لا كآلة تُغذي جشع الصناعة. دعنا نناقش هذا معًا، فالطريق طويل، لكن الأمل في التغيير يبدأ من كلماتك.
التغيير يبدأ من أسفل في هذه الحالة. من قاعدة الهرم. إذا نظرنا للنموذج القديم للتعليم حيث كان الناس يسعون لطلب العلم رغبة منهم وليس جبرانية كما يحدث الآن عندما يستيقظ الطفل من نومه في الخامسة صباحا لاعنا لحياته مجبرا على الذهاب إلى مكان يكرهه. كانو يسافرون بلدانا بسبب الفضول و الرغبة والتي استبدلت الآن بالنفور من كل مظاهر التعليم. لا نحتاج إلى السفر الآن فكل شيء على بعد ضغطة زر. ولكن ما تغير هو الموقف تجاه التعليم الذي كبح فضول الأطفال واستبدله بكره لكل مظاهر التعليم. الكره الذي يتجلى في عدم المبالاة تجاه ما يدرس (وهنا لا بد أن أذكر قانون جودهارت goodheart's law مجددا) وكذلك الإحتكار الشديد للمعلم.
تغيير التعليم يبدأ بتغيير فكرة ونموذج التعليم في العقل الجمعي للمجتمع. حيث أن النظام الحالي قد بلى ولم يعد يناسب التغيرات التي حدثت للمجتمع.
التعليقات