لم يكن حديثي عن النموذج الفنلندي يوماً إيمانا بأنه "الأكمل" أو "الأفضل"، كما أنني لا أتبنى فلسفة التعليم المقارن التي تبحث عن غلبة نموذج على آخر. بل هي رحلة عقلٍ متجول، كطائرٍ مهاجرٍ يحلق فوق حقول المعرفة المتناثرة في أرجاء المعمورة. إنها محاولةٌ لفتح نافذةٍ على تجارب الآخرين، لا لنقلدها حرفاً، بل لنستلهم منها ما يُثري تربتنا، ويزرع في حديقتنا بذوراً جديدة قد تُزهر غداً.
أردتُ أن أستعرض التجربة اليابانية، بجدّها الصارم وإرادتها الفولاذية، كشجرة بونساي عتيقة تُشذّب بإتقان. وتجربة أخرى هنا أو هناك، كأن أتحدث عن نظامٍ يُشبه نهراً عذباً في دولة، أو جبلاً شامخاً في أخرى. لكني لاحظتُ أن أذواق القرّاء لم تستسيغ ثماراً من تلك البساتين البعيدة، فآثرتُ أن أعدل عن طرحها، رحمةً بهم، وتقديراً لتفاوت الشهية الفكرية.
فلسفتي في هذا كله أبسط مما تُدركه العين:
"من الحكمة أن ترى ما في جعبة الآخرين، لا لتحملها كلها، بل لتعرف أيّ العُدد ينفعك حين تشيد صرحك".
إننا لا نطلب من شجرة البرتقال أن تثمر تفاحاً، ولا نلوم الصحراء لأنها لم تُزهر كالغابة. كل تجربة تعليمية هي ابنة ثقافتها، وابنة تاريخها، ومرآةٌ لقيم شعبها. فلماذا لا ننظر إليها بفضول الرحّالة الذي يجمع حكايات الأمم، لا بمنظار القاضي الذي يصدر أحكاماً؟ لماذا لا نسأل: "ماذا فعلوا؟ وكيف؟ ولماذا نجح هذا أو ذاك في تربتهم؟" – لعلّ في جوابهم بذرة فكرةٍ نبتكر منها حلاً يخصنا.
إن النظر إلى تجارب العالم ليس استلاباً لهويتنا، بل هو اتساعٌ لأفقنا. كالنجّار الذي يزور ورشة زميل له، ليس ليقلّده، بل ليرى كيف يحفر الخشب، وكيف يصقل الحافة، وكيف يوازن بين الجمال والمتانة. قد يأخذ فكرةً، أو يُعدّل أداة، أو يبتكر طريقة جديدة لم تخطر له إلا بعد أن رأى ما عند غيره.
أما وقد رأيتُ أن بعض ثمار المعرفة لا تُناسب ذائقة قارئي اليوم، فسأعدل مساري كبستاني حكيم يُغيّر خطته حين ترى عيناه أن التربة لم تهيئ بعد لبعض البذور. لكني لن أتوقف عن التجوال بين حدائق العالم التربوية، لأن الرحلة ذاتها علمٌ، والرؤية إثراءٌ، وكل نافذة نفتحها على تجربة الآخرين قد تُدخل شعاعاً من نورٍ جديد إلى حجرات عقولنا المظلمة.
فهل نُغلق أبوابنا خشية الرياح الغريبة؟ أم نفتح نوافذنا لعلّ نسمة عابرة تحمل لنا عطر زهرة لم نعرفها من قبل؟