العنف المدرسي والتنمر بين الأمس واليوم: بين الحاجة إلى الهيبة وخطر الانهيار

في فناء المدرسة، حيث تُولد العلاقات الأولى خارج جدران البيت، وتُبنى اللبنات الأولى للانضباط والمعرفة، شهدت الأجيال تحولات عميقة في العلاقة بين التلاميذ والأساتذة، وبين التلاميذ أنفسهم. ما كان يُعد قديمًا أسلوبًا تربويًا مشروعًا، بات اليوم مرفوضًا ومحظورًا، وما كان يُهمس عنه في الخفاء من إساءات بين التلاميذ، صار اليوم يُوثق بالصوت والصورة على منصات التواصل.

كان المعلم في الماضي القريب هو السيد المطلق داخل القسم. صوته وحده يكفي لإسكات الهمسات، ونظرة صارمة منه كانت أحيانًا أشد وقعًا من العقاب. لم يكن غريبًا أن يُرفع العصا تأديبًا، أو أن يُوبّخ تلميذ أمام زملائه، فذلك في نظر المجتمع جزء من "تربية الأجيال". العنف اللفظي والجسدي كان مقبولًا، بل يُنظر إليه على أنه ضرورة لضبط السلوك وتحقيق الانضباط. أما بين التلاميذ، فكان التنمر يختبئ خلف تسميات بريئة: "مزحة"، "لعب أولاد"، أو حتى "رجولة"، ولا أحد كان يلتفت للآثار النفسية التي يخلّفها هذا "اللعب".

لكن الزمن تغيّر، لم تعد العصا مقبولة، ولم يعد الصراخ وسيلة مشروعة للتأديب. المعلم مُطالب اليوم بأن يكون قدوة، مربيًا، صديقًا، مرشدًا، ومراعيًا للخصوصية النفسية لكل تلميذ. ومع هذا التحول، ظهر تحدٍّ جديد عن كيف يحافظ المربي على هيبته دون أن يظلم؟ وكيف يزرع الانضباط دون أن يُتّهم بالتسلط؟

لم يختفِ العنف، بل غيّر وجهه.

ظهر العنف المعكوس، حيث بات بعض التلاميذ يسيئون إلى أساتذتهم لفظيًا وجسديًا، مستندين أحيانًا إلى حماية مفرطة من قوانين تفسَّر على نحو يُضعف السلطة التربوية. في المقابل، تفاقم التنمر بين التلاميذ، واتخذ أشكالًا أكثر خبثًا، خاصة مع ولوج الهواتف الذكية والأدوات الرقمية إلى حقائب التلاميذ. لم يعد التنمر يقتصر على الزجر أو الضرب، بل أصبح يُمارَس عبر الشاشات، في صمت قاتل، من خلال التشهير، والسخرية، والعزل، أحيانًا على مدار الساعة.

وإن كانت عواقب الماضي تتمثل في الكبت، والخوف، والانطواء، فإن عواقب الحاضر تتجلى في الانفلات، وقلة الاحترام، وضعف التحمل. فالجيل الذي نشأ تحت شعار "حقوق الطفل" أحيانًا يفتقر إلى أدوات المواجهة، ويكسر أمام أول عقبة. وكأننا انتقلنا من تربية صارمة تُقمع فيها الطفولة، إلى تربية هشة تُفرط في تدليلها.

أمام هذه المعضلة، تُطرح حلول كثيرة، من بينها إدماج المرشد النفسي في الحياة المدرسية، وتكوين الأساتذة على استراتيجيات إدارة الصف دون عنف، إلى جانب تعزيز الحوار والأنشطة التربوية التي تزرع قيم التسامح والاحترام. لكن حتى هذه الحلول، إن لم تُحسن صياغتها وتطبيقها، قد تتحول إلى عوائق جديدة، تفرّغ المعلم من دوره التربوي وتُحول المدرسة إلى فضاء خالٍ من الحدود.

وفي خضم كل هذا، يظل التحدي الأكبر: كيف نبني جيلًا حرًا، واثقًا من نفسه، وفي ذات الوقت منضبطًا، متحملًا للمسؤولية؟ كيف نصنع مدرسةً لا يُهان فيها أحد، ولا يُدلل فيها أحد حد الإفلات من التوجيه؟

إنها معادلة صعبة، ولكن هناك من يرى أنها ليست مستحيلة.