في السابق كنت أتميز بذاكرة قوية كانت خير عون لي أثناء الدراسة. بسهولة كان يمكنني استيعاب معدل معلومات كبير واستذكاره على مدى بعيد بكفاءة عالية كأنني أقرأ نص المعلومات من الكتاب، ولكن مع الوقت وكلما ازداد عمري بدأت هذه القدرة تتراجع شيئًا فشيء، ولاحظت الأمر خصيصًا في فترة الثانوية وعللت الأمر وقتها أنه مرتبط بالنفسية لأنني قرأت أنها تؤثر على الذاكرة وإن كنت غير متأكدة من درجة ارتباطهما، ولكن لأن بالفعل حالتي النفسية لم تكن بأفضل حالاتها ظننت أن تقصير عقلي مؤقت بسبب هذه الفترة وحسب، ولكن ازداد الأمر ورغم تحسن الحالة النفسية إلا أن الذاكرة أصبحت أسوأ من قبل وكان هذا يضطرني لبذل مجهودات مضاعفة في الدراسة على عكس السابق، وإلى الآن لم أجد سببًا مقنعًا لهذه الحالة ولا طريقة أفضل لتحسين الذاكرة بشكل عملي. فكيف برأيكم يمكن أن نحسن الذاكرة بما يخدم عملية التعلم؟
كيف يمكننا تحسين الذاكرة عمليًا لرفع جودة ما نتعمله؟
ترتبط درجات التركيز وتحسين الذاكرة بعدة امور يمكن اختصارها .. النوم .. الاكل .. الصيام بعد نافذة زمنية من الاكل (على الاقل).. المجهود المبذل مقابل الاكل.. سلسلة مترابطة وسوف أحاول اختصارها في قضية النوم....
تنظيم النوم.. تنظيم الساعة البيولوجية من أهم الامور المرتبطة بتنظيم كل العمليات الخلوية التي تحدث للجسم, مركز الساعة البيولوجية في زي المخ من الاسفل مباشرة بعد الاجهزة البصرية ويمسى هذا المكان بالتصالبية, وهنا مركز الساعة البيولوجية والتي تتأثر بالاكل والنوم والجهد, الاكل الصحي الذي يحتوي على الجلوتامات والداعم لانتاج النواقل العصبية مثل جابا والسيرتونين والدوبامين والتريبتوفان وغيرها كلها يتم انتاجها في الخلايا العصبية في المخ والخلايا العصبية في الامعاء (العقل الثاني) عن طريق الميكروبيوم المعوي.. يتأثر هذا الجهاز المركزي بنوعية الاكل ومواعيد الاكل وعدد ساعات الصيام بعد نافذة ساعات من الاكل, وكذلك تنظيم النوم بل وبدرجة أهمية كبيرة جدًا تتأثر الساعة المركزية في التصالبية بنوعية الاضاءة وشدتها خلال اليوم, لذا الضوء الازرق الذي ينبعث من الموبايلات من اهم الاسباب التي تجعل الساعة المركزية في التصالبية للحدوث اضرابات في تلك الساعة المركزية.. اضطرابات الساعة المركزية يؤدي لاضطرابات للساعات الطرفية او الفرعية في الخلايا فكل جهاز في الجسم وكل مجموعة عمليات خلوية معينة لها ساعة فرعية مرتبطة بالساعة المركزية.. ضبط المصنع للساعة المركزية يؤدي لضبط كل مصانع الساعات الفرعية.. اضطربات النوم والسيبو وانواع مختلفة من الصداع تعني مشكلة في الساعة المركزية وفي النواقل الفرعية, هذه الاضطربات تؤثر على الذاكرة على استجابة الجسم للامراض المناعية نتيجة لسقوط الجهاز الخلوي للجسم نتيجة الاضطرابات وزيادة نسبة الهيستامين التي تطلقها الخلايا في عملية تسمى CDR = cell danger response وهذا انذار يطلقه الجهاز الخلوي بعد ان يكون تعدى الهيستامين حده مما يزيد من موت الخلايا لذا اطلاق الانذار هو بمثابة اعلان حرب لذا تقوم الخلايا بقفل المسارات الخاصة بها منها انتاج انزيمات مختلفة لتوفير الطاقة (ATP) لحين استعادة الجسم توازنه وتفعيل الجهاز المناعي .. لكن هذا لا يحدث في الاغلب لو لم تعدل السلوكيات مما يؤدي لتفاقم الامر..
ايضًا النوم في مواعيد باكرة وتحسين الاضاءة يؤدي لتفعيل ما يعرف ب Autophagy = التأكل الذاتي للخلايا والذي يجدد الخلايا ويعيد الامور لوضعها الطبيعي.. لكن هذا لا ينبغي ان يحدث بشكل صحيح الا بأكل صحي متوازن .. وهذا يأخذنا للاكل الصحي لأن مفهوم الاكل الصحي غير واضح عند الجميع .. لكن يمكن اختصاره في .. سكريات احادية وليست ثنائية والسكر الاحادي مثل الفاكهة وهو سهل الامتصاص واقل استهلاكًا للانزيمات وللطاقة في الجهاز الخلوي.. اما السكريات الثنائية مثل السكروز فهو اولا يستهلك انتاج الانزيمات والعمليات الخلوية المرتبطة بها بالاضافة انه مع الكميات الكبيرة تستهلكه الميكروبيوم المعوي وتؤدي لزيادة الميكروبيوم الشرس فيها.
الميكروبيوم المعوي مثل الغابة وليس مجازا بل واقعًا .. والامعاء هي العقل الثاني وتمتلك شبكة عصبية معقدة جدًا بل ومستقلة لذا سميت بالعقل الثاني, الميكروبيوم المعوي وظيفته ليس فقط انتاج ب 12 لكن ايضًا انتاج الكثير من النواقل العصبية بل واطلاق العديد من المركبات الكميائية التي تعد بالفعل دواء للعديد من الاسقام في الجسم حتى الطفيليات والفطريات تنتج تلك المركبات التي تساعد الجسم في الشفاء من العديد من الامراض وتساعد الجهاز المناعي .. بل تفعيل الجهاز المناعي مرتبط بالميكروبيوم المعوي اذ ان بكتيريا مثل لاكتوباسليس ترسل اشارات DC في الجهاز الليمفاوي والتي من خلالها يتم تفعيل الجهاز المناعي .. والجهاز المناعي 85% من قوته في الامعاء..
اذن نتكلم هنا عن غذاء صحي يدعم التوازن في الميكروبيوم المعوي بمعنى ان يحافظ على توازنه بشكل فعال.. ويمكن تشبيه الميكروبيوم المعوي بغابة اذ ان الطفيليات وانواع من البكتيريا والفطريات هي في صورتها الصغيرة مفيدة اما اذا تكاثرت فهي تتحول لشراسة كبيرة تؤثر على صحة الجسم والجهاز المناعي والجهاز العصبي المركزي, مثل الاسد في الغابة اذا زاد عن الحيوانات العشابة سوف يدمر الغابة كذلك اذا زادت تلك الحيوانات العاشبة وتناقصت المفترسات يسبب مشكلة في الغابة لذا التوازن في الميكروبيوم المعوي مفتاح قوة الجهاز الهضمي بل ويؤثر على الجهاز العصبي المركزي والمناعي وكل هذا يؤثر على مستوى التركيز والحفظ وغيرها من الامور...
حاولت ان اختصر لكن هذا الامر شغلني كثيرا بالاضافة ان الطب والابحاث الطبية ضمن هواياتي في القراءة والاطلاع..
ما شاء الله أستاذ محمد شرح كافي ووافي أشكرك على مساهمتك فهي كانت مفيدة بالفعل وأتمنى لو تعيد مشاركتها في مساهمة خاصة بك لكي يلاحظها ويستفيد منها أكبر عدد ممكن من الأشخاص هنا على المنصة لأن معلوماتها حقا غائبة عن الأغلبية. أنا قرأت من قبل عن تأثير الميكروبيوم على الجسم ولكن لم أنتبه لأن الخلل فيه قد يؤثر على الذاكرة أيضا أنا انتبهت لتأثيراته الأخرى لأنها كانت أكثر وضوحا علي ولكن من الجيد أنني أضفت سببا أخر لما أعانيه وفي كل الأحوال أنا أحاول بالفعل الانتباه على صحة الأمعاء وتوازن الميكروبيوم من خلال تناول الأطعمة المفيدة الغنية به وتقليل الأكل الضار قدر المستطاع.
التعليقات