"فاهم ولكني لا أستطيع إيصال المعلومة"، ما مدى دقة هذه المقولة؟

كثيراً ما نسمع هذه المقولة السابقة- خاصة في أوساط البيئة التعليمية - عند وصفهم لمن لا يجيد إيصال المعلومة للطلاب والمتعلمين، فكيف يعد فاهماً إذن؟

يقول العالم الفيزيائي أينشتاين: "إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل عمره ست سنوات، فهذا يعني أنك لا تفهمها"

الشخص الوحيد المخوّل والقادر على إيصال المعلومات الصحيحة إلى طلابه هو الشخص الذي يفهمها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فكل شارحٍ جيدٍ هو في الحقيقة فاهم جيد، وكل مبهم العبارة وغير قادر على التوضيح والبيان هو غير فاهم، وإلا كيف سنعرف أنه فاهم دون أن ينطلق لسانه بمفردات المعاني التي يستقل كل صوت منطوق منها بمعنى قائم تمَّ تصوره في العقل أولاً؟!!

هذه العبارة أصبحت - للأسف الشديد - تبريراً لفشل بعض الأساتذة والأكاديميين، فهو لا يريد أن يعترف بضعفه الأكاديمي وعدم فهمه للمساق الذي يدرسه، فيلجأ إلى هذه العبارة التي أصبحت الملاذ والمفر الآمن للهروب من القصور في إيصال المعلومة.

قد يتساءل بعضنا فيقول: "ولكنه متفوق ومعدله عالٍ"، نعم، قد يكون كذلك لكنّ المعدل والعلامات العالية لا تعني بالضرورة أن الشخص قد فهم وتشرّب ما قرأ ودرس، خاصة أن كثيراً من الاختبارات لا تكشف مدى فهم الطالب لما درسه، وتركز - غالباً - على جوانب التذكر والحفظ أكثر من الفهم والتحليل وهذه ما ينتج مثل هذه الفئات.

هل - حقاً - قد يكون الشخص فاهماً ولكنه لا يستطيع إيصال المعلومة؟

كيف يكون ذلك؟


فهمك للمعلومة لا يعني بالضرورة أنك تقدر على إيصالها للغير، هذا مجال وهذا مجال آخر وكأنك تقارن بين سرعة القطر وعمق البحار!!

في البداية دعنا نتفق أن هناك فرق بين العالِم والأكاديمي، فكل عالِم لايجب أن يكون بالأساس رجل يمتلك المهارات الأكاديمية من أسلوب شرح وبيان ومهارات التدريس والتعلم المختلفة.

فالطبيب الجراح مثلا غير مطالب بإيصال معلومات عن تفاصيل إجراءاته أثناء العملية لمساعديه أو حتى للمريض، ويكفي أن يعلموا ما هو ضروري لمساعدته على إتمام عمله.

بينما الطبيب الجراح أستاذ الجامعة، عليه أن يمتلك مهارات التدريس والتعلم ليتمكن من تأهيل أطباء قادرين على حمل لواء المهنة بعد التخرج.

وهذا ينطبق على جميع التخصصات.

الطبيب الأول قد يكون أبرع من الثاني وأكثر علما، ولكن ذلك حقيقي في الجانب العملي فقط وليس في الجانب الأكاديمي، والعكس صحيح بالنسبة للطبيب الثاني.

بالتأكيد شئ رائع أن نمتلك المهاراتين معا، العملية والأكاديمية، ولكن عدم إمتلاكك لأحدهما لا يُنقص من قدرك في موقعك، إلا إذا أحدث خللا حقيقا في مسار عملك.

إن فهمت شيئاً فإنك تستطيع إيصال هذا الفهم للشخص الآخر وليس بالضرورة أن يفهمك، فقد يكون استيعابه بسيط أوإدراكه بطيء جداً، لكن إن لم تكن فاهماً فلن تستطيع إيصال المعلومة بكل تأكيد.

بمعنى آخر أنا أتحدث عن الشخص المرسل وليس المستقبل، أي أنك لو فهمت شيئاً فإنك تستطيع إيصاله كما فهمته بغض النظر إن فهم هذا الشخص المستقبل أم لا.

بالتأكيد لا، وأرجوا أن تتأمل معي أخي الكريم.

أريدك أن تنتبه للفارق بين فهم المعلومة والقدرة على توصيل المعلومة، هذه مهارة والثانية مهارة أخرى مختلفة تماما.

والمهارتان متعلقان بالمرسل وليس أحد غيره.

دعني أوضح الأمر أكثر.

هب أن هناك مجموعة من الرجال يعملون بالزراعة ورعاية الأراضي ويجيدون تلك الأعمال إجادة تامة، وقمت أنت بسؤالهم عن كيفية زراعة الزهور ورعايتها في المنزل، هل تتوقع أن تحصل على نفس الإجابات وأن تصل لنفس درجة الفهم؟!

بالتأكيد لا، فالأمر يختلف حسب قدرته هو على توصيل المعلومة ( علما بأن قدرتهم العملية ومهاراتهم متماثلة ).

والمستقبل في مقالنا هذا قد يكون أي شخص وفي أي سن، لذلك فلابد من استبعاده نهائيا من المعادلة.