(بقلم: إسلام جهادالدين، باحث دكتوراه فى إدارة الأعمال، مُهتم بالشؤون الاقتصادية والإصلاح المؤسسي والتنمية الدولية)
مقدمة
يُشكل الصراع الإيراني المتصاعد مع إسرائيل وتداعياته الإقليمية أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيداً حاليًا. فهو لا يهدد الأمن العالمي وحسب، بل يُعيد تشكيل الأولويات الإنسانية والاقتصادية والتنموية لمنطقة تعاني أصلاً من تراكم أزماتها. تتناول هذه الدراسة ثلاثة محاور رئيسية: الوضع المتأزم فى غزة، الأزمة الإنسانية فى السودان، والاقتصاد المصري، وأزمة الانخفاض الحاد فى تمويل المشروعات الإنسانية والتنموية، وذلك بهدف رسم صورة متكاملة لتشابكات هذا الصراع وتأثيراته بعيدة المدى.
أولاً: حرب غزة والوضع الإنساني في ظل الأزمة الإيرانية
- أولويات مختطفة، غزة في مواجهة الأجندة الإقليمية
حين تتحول المواجهة بين إيران وإسرائيل إلى حرب مباشرة ، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام إعادة ترتيب قسرية لأولوياته. فـ القضية الفلسطينية، التي احتلت مركز الاهتمام العالمي منذ أحداث أكتوبر 2023، تنزلق تدريجياً نحو هامش الأجندة الدبلوماسية كلما اتسع نطاق المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية. ينتقل الانتباه العالمي والمفاوضات الدولية تركيزها من الوضع الإنساني في غزة إلى ملفات الردع النووي ومنظومات الدفاع الجوي وخطوط إمداد الأسلحة، وهو تحوّل يُفقر المفاوضين الفلسطينيين ورقة الضغط الدولي في أحرج لحظاتها.
- تشتت الانتباه عن الكارثة الإنسانية في غزة
أن الحروب المتوازية تتنافس على مساحة محدودة من الاهتمام الإعلامي والسياسي العالمي. حين تُطلق إيران صواريخها نحو إسرائيل، تتصدر شاشات الإعلام العالمي هذه المشاهد الدرامية، بينما تغيب في الخلفية صور الأطفال الجرحى في مستشفيات غزة ومشاهد المجاعة القاسية في شمال القطاع. هذا التنافس على الاهتمام ليس مجرد ظاهرة إعلامية؛ بل له تداعيات مباشرة على تدفق التبرعات إلى صناديق الأونروا والمنظمات الإغاثية، إذ تتراجع حصة غزة من دعم المانحين في أوقات التصعيد الإقليمي.
- إيران ومفاوضات وقف إطلاق النار في غزة: تسريع أم تعقيد؟
السؤال عن دور إيران في دعم مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة يكشف عن معضلة وتضارب مصالح بامتياز في السياسة الإيرانية: فمن جهة، تستفيد طهران من استمرار الحرب في غزة لأنها تُنهك إسرائيل وتشغل أمريكا وتضفي على إيران مكانة حامية المقاومة. ومن جهة أخرى، يشكل الضغط الإيراني أحيانًا ورقة ضغط ترغم الأطراف على التفاوض لإدارة اتساع الحرب. لكن في الغالب، يتمثل الاتجاه الأكثر رجاحة في أن إيران تميل إلى تعقيد وعرقله مسارات التفاوض أكثر مما تسهلها، لأن الوصول إلى اتفاق سلام في غزة سيُفضي حتماً إلى تراجع النفوذ الإيراني في القطاع.
بالإضافة إلي أن إيران تستخدم قضية غزة توظيفاً سياسيًا في مفاوضاتها على ملفات أخرى، كالبرنامج النووي ورفع العقوبات وترسيم النفوذ الإقليمي. يجري ذلك بأساليب متعددة: التلويح بإمكانية تخفيف الضغوط على حماس في مقابل تنازلات غربية، أو استخدام استمرار الحرب ورقة ضغط لتسريع التفاوض على الاتفاق النووي. وهكذا تتحول القضية الفلسطينية من مطلب أخلاقي عالمي إلى بند في جدول أعمال إيران الاستراتيجي.
- التنافس الإقليمي وأموال إعادة إعمار القطاع
ترسم في الكواليس الدبلوماسية خرائط النفوذ الإقليمية على أنقاض غزة حتى قبل أن تنتهي الحرب. فدول الخليج لن تضخ مليارات إعادة الإعمار طالما ثمة احتمال لعودة النفوذ بين ايرن وحماس في حكم القطاع، بينما تشترط إيران وحلفاؤها صون السيادة السياسية لغزة بعيداً عن التطبيع مع إسرائيل. هذا الخلاف يهدد بتجميد صناديق التنمية والتعمير الإقليمية أو تحويلها إلى أدوات نفوذ وسياسة لا إلى وسائل تنمية.
ثانياً: حرب السودان والبصمة الإيرانية في القرن الأفريقي
- التدخل الإيراني فى السودان
أفادت تقارير صحفية استقصائية، بأن إيران زودت الجيش السوداني بطائرات مسيرة، هذه المسيرات غيرت معادلة القوى الميدانية لصالح الجيش، إلا أنها في الوقت نفسه استدعت ردود فعل إقليمية من دول تدعم قوات الدعم السريع كالإمارات وسواها، مما زاد من تدويل الحرب الأهلية السودانية وجعل الحل السياسي الداخلي أكثر تعقيداً.
- السودان جبهةً إيرانيةً جديدة
يكشف التقارب السوداني-الإيراني الأخير عن استراتيجية طهران في بناء نقاط ارتكاز جديدة على ضفتي البحر الأحمر. فإضافة إلى موطئ قدمها في اليمن عبر الحوثيين، تسعى إيران إلى تعميق نفوذها في السودان لتأمين ممرات بحرية استراتيجية وتطويق محاولات العزل الأمريكي-الخليجي. غير أن هذا التموضع يحول السودان إلى ساحة جاذبة لتدخلات مضادة، مما يضاعف معاناة المدنيين السودانيين الذين لا ناقة لهم في هذه الحسابات السياسية.
- ممرات الإغاثة في مهب الريح
أدى عدم الاستقرار الأمني المتصاعد إلى تضييق ممرات الإغاثة في السودان تضييقاً خطيراً. فالمناطق التي يتنازع عليها الجيش وقوات الدعم السريع باتت شبه محظورة على قوافل الأمم المتحدة وسائر المنظمات الإنسانية، كما تعرض بعض قوافل الإغاثة للنهب. وتضاف إلى ذلك مخاطر انعدام الأمن التي دفعت بعض المنظمات إلى تخفيض حضورها الميداني أو تعليقه كليًا مما زاد حده الأزمة الإنسانية في السودان.
- أزمة اللاجئين في الظل الحرب السودانية
يعيش ما يزيد على عشرة ملايين نازح سوداني داخلياً وخارجياً ظروفاً إنسانية كارثية، لكنهم يجدون أنفسهم في ظل الأزمات الموازية في غزة ولبنان وأوكرانيا في ذيل قائمة الأولويات الدولية. وحين تتصاعد التوترات المرتبطة بإيران في المنطقة، تزداد هذه الأولوية تراجعًا ويتقلص الدعم المالي للاجئين في تشاد ومصر وإثيوبيا مما يزيد الأزمة صعوبة على اللاجئين السودانين.
ثالثاً: الاقتصاد المصري تحت ضغط الأزمات الإقليمية المتتابعة
- قناة السويس ودخول الحوثي الحرب الإيرانية
تشكل إيرادات قناة السويس عصب الاقتصاد المصري، لكن منذ أن بدأت قوات الحوثيين المدعومة إيرانياً هجماتها على السفن التجارية في البحر الأحمر، تراجعت حركة المرور في القناة تراجعاً ملحوظاً. فقد لجأت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مساراتها، وأعلنت هيئة القناة عن انخفاض حاد في الإيرادات. هذه الضربة تأتي في وقت تعاني فيه مصر من ضغوط متراكمة على الاقتصاد وأعباء متصاعدة على موازنتها العامة.
- تكلفة تأمين الحدود
تمتلك مصر حدوداً شاسعة مع غزة وليبيا والسودان وإسرائيل، وكلها مناطق مضطربة ومرتبطه بشكل مباشر أو غير مباشر بالنفوذ الإيراني. ومع اشتعال هذه الجبهات المتعددة، ترتفع تكلفة تأمين الحدود المصرية ارتفاعاً ملحوظاً من حيث الانتشار العسكري والتجهيزات الأمنية والاستخبارات الميدانية. هذه الأعباء تستنزف ميزانية الدفاع وتقلص الفائض المتاح للاستثمار في الخدمات العامة.
- تراجع العملة والضغوط التضخمية
عاني الجنيه المصري من ضغط شديد جدًا وتراجع لمستوي 54 جنية امام الدولار وذلك بتاريخ كتابة المقال 30 مارس 2026، وهو تراجع في قيمة العملة بسبب تفاقم تابعات الحرب وخروج الأموال الساخنة، وارتفاع أسعار النفط، وتوقعات انخفاض إيرادات قناة السويس والسياحة يقلص، وارتفاع أسعار الشحن، بالإضافة إلي العجز التجاري. وفي هذا السياق، تجد الحكومة المصرية نفسها ملزمة بخيارات صعبة بين الإبقاء على الدعم بتكلفة عالية أو رفعه وتحمل التبعات الاجتماعية والسياسية.
الخلاصة!
تكشف أرقام الإنفاق العالمي بشكل صارخ عن أولويات الحكومات الكبرى حيث ارتفع الإنفاق الدفاعي العالمي إلى أرقام قياسية في السنوات الأخيرة، وتتقلص الاعتمادات المخصصة لصناديق الأمم المتحدة وصناديق الدعم والتنمية الإنسانية وتتسع الفجوة التمويلية في نداءات الاستغاثة الدولية. ويُرسخ هذا التوجه منطق أن "الأمن يسبق التنمية"، رغم أن الأبحاث تُثبت أن الاستثمار في التنمية هو في حد ذاته ضمانة استراتيجية للأمن.
كما يستدعي مستقبل العمل الإنساني في منطقة تعيش "صراعاً مزمناً" إعادة تصور شاملة للنماذج التقليدية القائمة على الاستجابة الطارئة. ويقترح المختصون انتقالاً نحو نموذج "الصمود التنموي" الذي يدمج الاستجابة الإنسانية الفورية مع بناء قدرات محلية مستدامة قادرة على الصمود في وجه الصدمات المتكررة. ويستلزم ذلك تمكين المجتمعات المحلية، وبناء شبكات إغاثة مجتمعية، وتطوير آليات تمويل إبداعية لا تعتمد على أهواء المانحين الدوليين وتحولات أولوياتهم السياسية.
(مقال يعبر عن الرأي الشخصي لكاتبه فقط ولا يعبر عن جهة عمله ولا أي جهة أخرى).
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش