الخميس 16 يوليـو 2026
حين يُعلمنا الفن لغة الحب
هل يمكننا أن نصف الحب ونغني له، ونحن لم نجرب طعمه بعد؟
كثيرًا ما استمعت لأم كلثوم، وأغلب غنائها يعزف على وتر الحب. على الرغم مما يُقال إنها لم تخض ذلك الشعور ولم تذق مرآه أو عسله، فكيف لها أن تعبر بكل هذا الصدق، وكيف تصرح الموسيقى بوجوده وحقيقته؟
تصدقها أذني، فيرفرف مع نغماتها قلبي، ويقتنع عقلي بسحر الحب.
وذاك الحب، في حقيقته، شبح نقيض؛ غير مرئي لكنه يملأ العين، غير مسموع لكنه يعج في الصدر، غير ملموس لكنه يترك أثراً كالكي. شيء مهيب، مخيف، قد يطرق بابك فجأة، ومن روعة الخوف منه، ومن رهبة النور الذي يحمله، تنغمس فيه بلا هوادة.
فهكذا يعلمنا الفن ما عجزت عنه الحياة؛ فأم كلثوم لم تكن بحاجة لأن تحب بقلبها المرتجف لتوقظ قلوب الملايين، بل كانت مرآة نقية ينعكس عليها الحب في أصفى تجلياته الإنسانية.
فالفلسفة ترى في الفن تجسيدًا للمطلق، و"الموسيقى" هي اللغة التي تلامس جوهر الأشياء دون الحاجة لوسيط مادي أو تجربة حسية عابرة. الحب الحقيقي -بهذا المعنى- ليس مجرد رغبة أو لقاء عابر بين جسدين، بل هو تلك الهزة الوجودية التي تعيد ترتيب الكون في أعيُننا. ولأننا نخاف المجهول، فإننا نخاف الحب؛ فهو الموت الصغير الذي نولد من أرحامه أصفى وأعمق. وفي النهاية، لا نحتاج لأن نلمس النجوم لندرك نورها، فحسبنا أننا رأينا ظلالها تسطع على عتبات أرواحنا.
#إيمان_حامد
#مقالات_الخميس
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش