# استيقظ يا أخي الإنسان
قد يمرّ إنسان بجوار رجل أثقلته أعباء الحياة، فلا يرى فيه إلا وجهًا عابسًا، بينما يرى آخر خلف العبوس حكاية طويلة من التعب والصبر والانكسارات. يمرّ الاثنان بالمشهد نفسه، لكنهما لا يعيشان التجربة نفسها؛ فالعالم واحد، أما طرائق رؤيتنا له فمتعددة.
في أحد المقاهي، كان شاب غارقًا في هاتفه، ورجل مسنّ يجلس قريبًا منه، يحاول أن يبدأ حديثًا مع أحد. وعلى مقربة منهما، كان عامل يجمع الأكواب، يتنقل بين الطاولات في صمت.
حين حاول الرجل المسنّ النهوض، اختلّ توازنه وسقطت عصاه على الأرض. رفع عينيه نحو الشاب، لكن الشاب لم ينتبه. كان العامل أقرب إليه، فوضع ما في يده، وانحنى ليلتقط العصا، ثم ساعده على الوقوف.
قال الرجل المسنّ:
«شكرًا يا بني، لقد سبقتني إلى ما كنت أرجوه من غيرك».
أجابه العامل:
«لا شكر على واجب يا عمّي».
لم يكن في المشهد ما يستحق أن تتوقف عنده مدينة بأكملها؛ مجرد عصا سقطت، ويد امتدت، وكلمة طيبة قيلت. لكنه كشف حقيقة تستحق التأمل: قد ينشغل الإنسان بما بين يديه حتى يغيب عنه من يقف أمامه، وقد يلاحظ آخر حاجة لم تتطلب منه سوى لحظة من الانتباه.
لم يكن الشاب بالضرورة قاسي القلب، ولم يكن العامل بالضرورة أكثر حكمة منه في كل شيء. ربما كان الشاب غارقًا في هموم لا نعرفها. نحن لا نعرف الحكايات كاملة، ولذلك لا ينبغي أن نحاكم الإنسان من مشهد واحد؛ لكننا نستطيع أن نتأمل أثر أفعالنا، وما نتركه دون أن نفعله.
**نرى العالم، لكننا لا نراه بالطريقة نفسها.**
قد نختصر إنسانًا في خطأ ارتكبه، بينما يرى غيرنا فيه شخصًا يحاول النهوض بعد تعثر. وقد نرى اختلافًا في الرأي فنحسبه خصومة، مع أنه ربما كان نافذة تكشف لنا جانبًا غاب عن أعيننا.
نحن لا نرى الأشياء وحدها، بل نراها من خلال ما تعلمناه وعشناه، وما ورثناه من أفكار، وما تركته التجارب في نفوسنا. وقد تساعدنا هذه المناظير على الفهم، وقد تحجب عنا ما لا ينسجم معها.
لهذا، فإن مراجعة رؤيتنا ليست تنازلًا عن عقولنا، بل اعتراف بحدودها. والإنصات إلى الآخر لا يعني الإقرار بصحة كل ما يقول، بل محاولة فهم الطريق الذي قاده إلى ما يقول.
وإذا كانت رؤيتنا للعالم تتشكل من مواقعنا وتجاربنا، فكيف نتصرف حين لا نرى ما يراه الآخرون، أو حين نحتاج إلى مراعاة ما لا نستطيع إدراكه بأنفسنا؟
تروي حكاية رمزية أن رجلًا كفيفًا كان يحمل مصباحًا في الليل. سأله أحدهم مستغربًا:
«لماذا تحمل مصباحًا وأنت لا ترى الضوء؟»
أجابه الرجل:
«أحمله لكي يراني الآخرون، فلا يصطدموا بي».
لم يحمل الرجل المصباح لنفسه، بل راعى حاجة الآخرين، وفكر في أثر وجوده في طريقهم. وهنا يكمن معنى يتجاوز الحكاية: لا يكفي أن نعرف ما نحتاج إليه، بل علينا أن نفكر أيضًا في أثر وجودنا وأفعالنا فيمن حولنا.
قد نقصد الخير ونؤذي، وقد نختلف في الفكرة بينما نتفق في حاجتنا إلى الكرامة والأمان والاحترام. وليس المطلوب أن نرضي الجميع أو نتخلى عن قناعاتنا لتجنب الخلاف، بل أن نميز بين اختلاف يفتح باب الفهم وخلاف يتحول إلى وسيلة لإهدار كرامة الإنسان.
**لقد اتسعت قدراتنا، لكن هل اتسعت معها إنسانيتنا؟**
نعيش في زمن تتسارع فيه التقنية وتتعدد وسائل الاتصال، حتى أصبح الوصول إلى أخبار العالم أيسر من أي وقت مضى. ومع ذلك، قد نعرف تفاصيل حياة أشخاص لا نعرفهم، بينما نعجز عن ملاحظة حزن شخص يجلس إلى جوارنا.
ليست التقنية عدوًا للإنسان، ولا التقدم خطأ في ذاته. إنما تكمن المسألة في أن تبقى الوسائل في مكانها الصحيح: أدوات تخدم الإنسان، لا بدائل عن حضوره. فما قيمة أن تتسع دائرة اتصالنا بالعالم إذا ضاقت قدرتنا على الإنصات إلى إنسان واحد؟
قد تبدأ المسؤولية من لحظة نرفع فيها أعيننا عن شاشاتنا، أو كلمة نختارها بدلًا من كلمة جارحة، أو حكم نؤجله حتى نسمع الحكاية كاملة. لا يحتاج الأمر دائمًا إلى مشروع كبير أو موقف بطولي؛ فالغفلة حين تتكرر قد تتحول إلى عادة، ثم تصبح طريقة في الحياة، حتى نعتاد تجاوز الآخرين دون أن نشعر.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمل الإنسان مسؤولية إصلاح العالم كله. يكفي أن يبدأ من المساحة التي يستطيع التأثير فيها، وأن يراجع ما يقدر على مراجعته، ويفعل ما يستطيع دون ادعاء الكمال. فنحن نتبادل الحاجة والعطاء، والضعف والقوة، وقد نحتاج اليوم إلى يد تمتد إلينا بعدما كنا نحن من امتدت أيدينا بالأمس.
**فما الذي يبقى من الإنسان بعد أن تمضي الأيام؟**
قد لا تبقى تفاصيل كثيرة مما جمعه أو امتلكه، لكن أثره قد يبقى في إنسان شعر معه بأنه مرئي، أو في قلب خفّ عنه ثقل الوحدة، أو في خلاف لم يتحول إلى عداوة لأن أحد الطرفين اختار أن ينصت.
ليست العبرة بأن نصنع أثرًا عظيمًا في أعين الناس، بل ألا نستهين بالأثر الصغير في حياة إنسان. فبعض الأعمال لا تصنع ضجيجًا، لكنها تعيد إلى الحياة شيئًا من توازنها، وبعض الكلمات تمر سريعًا على قائلها، لكنها تبقى في ذاكرة من احتاج إليها.
يا أخي الإنسان، لست أدعوك إلى أن ترى العالم بعينيّ، ولا أن تتبنى أفكاري أو تتخلى عن اختلافك. أدعوك فقط إلى ألا تجعل رؤيتك سجنًا لك، ولا اختلافك جدارًا بينك وبين الآخرين.
توقف قليلًا، وانظر مرة أخرى. ربما كان خلف الوجه الذي لم تفهمه وجع لم تعرفه، وخلف الرأي الذي رفضته تجربة تستحق الإنصات، وخلف الإنسان الذي تجاوزته فرصة لفعل خير بسيط.
استيقظ، لا من نوم العين، بل من اعتياد القلب على ألا يرى.
استيقظ إلى الإنسان في داخلك، وإلى الإنسان الذي يقف أمامك.
فلا نحتاج إلى أن نتشابه كي نحترم بعضنا، ولا إلى أن نتفق في كل شيء كي نتعايش. نحتاج إلى أن نتذكر، وسط اختلافاتنا وانشغالاتنا، أن الإنسان لا يكتمل بإلغاء غيره، بل بما يضيفه إليه من فهم ورحمة وكرامة.
**أنا بك أكتمل، وأنت بي تكتمل.**
التعليقات