أنا الماء الذي يحمل السفينة

# أنا الماء الذي يحمل السفينة

*تأملات في الحرية والعمل ولقاء الله*

كلما حاولت أن أفهم موضعي من الدنيا، وجدت أن السؤال ليس: أين أجلس في سفينتها؟ بل: كيف أعبرها، وماذا أفعل ما دمت فيها؟

أرى الدنيا سفينة تمضي عبر الزمن. لركابها حاجات وأحلام، وفيها عمل ينبغي إنجازه وشؤون لا تستقيم إن تُركت للريح. لكن بعضنا ينشغل بمقعده حتى ينسى الرحلة، ويحرص على ما جمعه فيها حتى يصير الخوف من فقدانه أشد حضورًا من الحياة نفسها. عندئذ تتحول السفينة من موضع للعبور إلى عالم نظن أننا لا نساوي شيئًا خارجه.

لهذا أحب أن أتخيل نفسي ماءً يحمل السفينة.

لا أعني أنني أقف خارج الدنيا بينما يركبها الآخرون؛ فأنا عابر مثلهم، وأحتاج إلى عونهم كما قد يحتاجون إلى عوني. وإنما أرى في الماء صورةً لحضور أرجوه: أن أسند من استطعت دون أن أتخذ من حاجته إليّ سلطانًا عليه، وأن أبذل نفعًا لا أجعله سببًا للمنّ، وأن أؤدي دوري وإن لم أعرف إلى أين يبلغ أثره.

الماء يحمل السفينة، لكنه لا يملك وجهتها. وفي هذا الفارق ما يضيء لي معنى المسؤولية: أن يكون لفعلي أثر، لا يعني أن نتائج الحياة كلها في يدي. أنا مسؤول عما أبذله من جهد، وعن قدر الصدق والعدل في اختياري؛ أما ما يتجاوز قدرتي، فلا يصبح ملكًا لي لمجرد أنني تمنيت له مسارًا آخر.

وقد ظننت زمنًا أن الحرية تعني أن أختار دون قيد. ثم بدأت أسأل نفسي: ما الذي يدفعني إلى الاختيار؟ فقد أطلب شيئًا لأنني أريده حقًا، وقد أطلبه لأنني أخاف أن يفوتني، أو لأنني اعتدت أن أرى الناس يتنافسون عليه. لا تختفي حريتي لأنني أتأثر بما حولي، لكنها تحتاج إلى يقظة: أن أفهم دوافع فعلي ما استطعت، وأن أميز بين ما أقدر على تغييره وما ينبغي لي أن أتعلم العيش معه.

وليس في الاعتراف بحدود قدرتي إذنٌ بالتراجع عن العمل. فالجائع لا يشبعه حديثي عن الزهد، والمتعب لا يخف حمله لأنني أحسنت وصف الرحمة. إن أردت أن أكون نافعًا، فعليّ أن أتعلم، وأن أعمل، وأن أصحح خطئي إذا تبين لي. رجائي في الله لا يعفيني مما أستطيع فعله؛ بل يعينني على أن أبذله دون أن أغترّ بقوتي، وأن أواجه العجز دون أن أستسلم له.

أحاول أن أعيش بين السعي والتسليم: أبذل ما أقدر عليه، ولا أطالب الدنيا بأن تأتي دائمًا على قدر رغبتي. أزرع حيث أستطيع، وأعلم أن الإنبات ليس أمرًا أصدره. وإذا تعثر أمري، سألت نفسي عمّا يمكن إصلاحه قبل أن أحتج بالقدر على تقصيري، ثم تركت لله ما لم أعد أملك دفعه.

ولعل الحياة أقصر من أن أقضيها حارسًا لما سيزول، وأثمن من أن أعبرها بلا اكتراث. أريد أن أعطيها حقها من العمل والحب والفرح، دون أن أنسى أنها ليست نهاية الطريق. أن أحب الناس دون أن أملكهم، وأن أفرح بما رُزقت دون أن أقيس نفسي به، وأن أخسر شيئًا فأحزن عليه، دون أن أفقد معه وجهتي كلها.

ومع ذلك، لا أريد أن أجعل من صورة الماء مديحًا لنفسي. فقد أخطئ وأنا أحسب أنني أنفع، وقد أثقل على غيري باسم مساعدته. لذلك أعود إلى السؤال كلما استطعت: هل خففت شيئًا من مشقة العبور، أم زدتُها؟ هل حملت مسؤوليتي، أم اختبأت وراء الكلام عن القدر؟ وهل بقي في قلبي متسع لأعترف بخطئي وأصلحه؟

في آخر الرحلة، لا أرجو أن يقال إنني امتلكت السفينة، ولا أنني فهمت البحر كله. أرجو أن ألقى الله وقد سعيت إلى ألّا تستعبدني الدنيا بما يفنى، وألّا يجعلني خوفي على نفسي قاسيًا على من يعبرون معي. أرجو قلبًا سليمًا؛ لا أدّعي أنني بلغته، بل أسأل الله إياه، وأحاول أن أمضي إليه ما دمت حيًا.

**أنا الماء الذي يحمل السفينة**: لا لأنني أملك طريقها، بل لأنني أريد أن يكون لعبوري فيها نفعٌ بقدر ما أستطيع. ثم أمضي، كما يمضي كل عابر، راجيًا رحمة الله وحسن لقائه.


...لهذا أحب أن أتخيل نفسي ماءً .... أرى في الماء صورةً لحضور أرجوه......

اهناك من يشبه نفسه بالماء غيري.....:) الماء سر النقاء وعفويةالحياة وكما للماء وجه صافي يرى الإنسان ذاته فيه له غضب قاس فيتحول إلى قوة كبيرة و.... هو السيف ذو حدين اختيارنا يحدد الطريقة والاطار الذي نرى فيه انفسنا ليس بنظرة الكمال ولا بنظرة النقص وإنما السعي نحو الأفضل بحرية اخترناها وفقا لما صقلتنا به الحياة ،ان يجمل الإنسان سفينة بما فيها هنا تظهر مسؤلية الاختيار ولا اضن ان الإنسان يصل إلىها الا عندما يجرب الغوص وفق كل الضروف فيكتسب مرونة التعامل لحمل أعباء أخرى....أعجبتني مقولة .....انا الماء...