### هل يوجد ما هو ثابت؟
### التدبير الكوني بين الحركة والانتقال وحدود الإدراك
### البحث عن الثابت في عالم متغير
طالما شغل العقل الإنساني سؤال أزلي: هل يوجد في هذا الوجود شيء ثابت ثباتًا مطلقًا لا يتبدل؟
حين نتأمل ما حولنا، نرى الحركة في كل مكان؛ فالأرض تدور، والمجرات تتحرك، والكائنات تنمو، والمادة تتحول. وما يبدو ساكنًا قد يكون في حركة لا تدركها حواسنا، وما نظنه مستقرًا قد يكون جزءًا من منظومة تتغير باستمرار.
لكن ما يستوقفني ليس الحركة وحدها، بل انتظامها. كيف يجتمع التغير المستمر مع بقاء أنماط من النظام تسمح للحياة بالاستمرار، وللأشياء بالتفاعل، وللإنسان بفهم جانب من العالم الذي يعيش فيه؟
هل الثابت هو الأشياء التي نراها، أم القوانين التي تحكم حركتها؟ وهل يمكن أن يكون وراء هذا التغير المستمر تدبير يحفظ للوجود اتساقه، لا بتجميد الأشياء، بل بتنظيم حركتها وانتقالها؟
ربما لا يكون الثبات الذي نبحث عنه سكونًا لا يتغير، بل مبدأً يسمح بالتغير دون أن يفقد الوجود كل انتظامه.
### الحركة والانتقال من مرحلة إلى أخرى
إذا تأملنا رحلة الإنسان، وجدناه ينتقل بين مراحل تتبدل معها قدراته واحتياجاته وعلاقته بالعالم. يبدأ جنينًا داخل الرحم، ثم يولد إلى بيئة مختلفة، يحتاج فيها إلى التنفس والتغذي والتفاعل بوسائل لم تكن مطلوبة منه بالطريقة نفسها في مرحلته السابقة. ثم تتوالى مراحل الطفولة والنضج والشيخوخة.
ليست هذه التحولات مجرد تغيرات في الشكل؛ إنها انتقالات تتبدل معها الشروط التي يعيش الإنسان في ظلها. وقد لا يكون الانتقال من مرحلة إلى أخرى خللًا في مسار الحياة، بل جزءًا من طبيعتها.
لكن هل نستطيع أن نمد هذا التصور إلى الموت وما بعده؟
الولادة انتقال نعرفه ونشاهد آثاره، أما ما بعد الموت فلا تثبته المقارنة بها. ومع ذلك، فإن عدم امتلاكنا دليلًا يحسم هذا السؤال لا يجعل السؤال نفسه غير مشروع، كما أن حدود معرفتنا لا تبرر تحويل المجهول إلى حقيقة مؤكدة أو إلى استحالة مؤكدة.
الموقف المنضبط هو ألا نجعل التشابه برهانًا، وألا نجعل حدود المعرفة حكمًا نهائيًا على كل ما يتجاوزها.
### التدبير الكوني: هل النظام مجرد انتظام؟
حين ننظر إلى الكون، نرى علاقات بين الظواهر وقوانين تسمح لنا بفهم جانب من سلوكها. وهنا أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز وصف الظواهر: هل يكفي أن نعرف كيف تعمل الأشياء، أم يبقى سؤال عن أصل القوانين التي تعمل بها، وعن سبب وجود هذا الانتظام أصلًا؟
من هنا تأتي فكرة «التدبير الكوني»: تصور يرى أن انتظام الوجود وترابط أجزائه قد يشيران إلى تدبير وحكمة يتجاوزان مجرد وصف الظواهر.
لا أطرح هذا التصور باعتباره نتيجة أثبتها العلم وحده، ولا أرى أن ملاحظة الانتظام تكفي بمفردها لحسم السؤال عن القصد والغاية. إنما أطرحه بوصفه سؤالًا فلسفيًا يستحق الفحص: هل يكتمل فهمنا للوجود بوصف قوانينه، أم أن البحث عن أصل هذه القوانين ومعناها يظل سؤالًا مشروعًا؟
لنتأمل مثالًا من حياتنا: عندما يزيل الإنسان جبلًا ليبني مدينة، فقد تتأثر المياه والتربة والأنظمة البيئية المحيطة، وتنشأ آثار تتجاوز حدود التدخل المباشر. يكشف هذا المثال عن ترابط الأشياء، لكنه لا يثبت أن الطبيعة تتدخل دائمًا لإصلاح الخلل، أو أن كل ما يحدث فيها يجري لمصلحة الإنسان.
وهنا يظهر فارق مهم: ملاحظة الانتظام والترابط شيء، وتفسيرهما باعتبارهما دليلًا على حكمة كونية شيء آخر. الأولى قابلة للدراسة، أما الثانية فتحتاج إلى حجج فلسفية تتجاوز مجرد وصف الظواهر.
### الاستدلال بالأثر: ماذا يعلمنا الذكاء الاصطناعي؟
تمنحنا التكنولوجيا مثالًا يساعدنا على التفكير في العلاقة بين النظام ومصدره. فالذكاء الاصطناعي يعمل داخل بنية حاسوبية وفق تصميم وقواعد تشغيل، ونحن نعرف أن له صانعين من خلال الأدلة التي توثق نشأته وتطويره، لا من خلال تأمل بنيته وحدها.
لذلك، فإن تشبيه الكون بنظام حاسوبي قد يساعدنا على طرح سؤال عن مصدر النظام، لكنه لا يثبت أن الكون مماثل للحاسوب، ولا يكفي وحده لإثبات وجود صانع له.
ومع ذلك، يلفت المثال انتباهنا إلى أن النظام قد يعمل ضمن شروط لا يحيط بها إدراكه. والإنسان، رغم ما بلغه من علم، يعيش هو الآخر ضمن شروط لم يخترها؛ فهو يتأثر ببيئته وتركيب جسده وحدود حواسه وقدراته العقلية.
لا أرى أن محدودية الإدراك دليل على صحة أي تصور يتجاوز ما نعرفه، كما لا أراها مبررًا لإغلاق باب السؤال. إنها دعوة إلى التواضع أمام ما نعرفه، ومواصلة البحث فيما لا نعرفه.
### من انتظام الوجود إلى وحدة المنهج
إذا أردنا أن نناقش التدبير الكوني مع إنسان لا يشاركنا مقدماتنا، فكيف نبدأ؟
ليس ضروريًا أن نتخلى عن قناعاتنا أو نخفي مرجعياتنا، لكن يمكننا أن نبدأ من سؤال مشترك، وأن نعرض شواهدنا، ثم نوضح كيف انتقلنا منها إلى استنتاجاتنا.
فمشاهدة الظاهرة شيء، وتفسير أسبابها شيء آخر، واستنتاج غايتها شيء ثالث. وكل انتقال بينها يحتاج إلى مبررات تناسبه.
وإذا طلبنا من أصحاب الرؤى المادية أن يختبروا افتراضاتهم، فمن العدل أن نخضع افتراضاتنا للمعيار نفسه. فالحياد لا يعني أن نتخلى عن موقفنا، بل أن نسمح بفحصه، وألا نمنحه امتيازًا لا نقبله لغيره.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول حدود العلم إلى ذريعة لرفض الأسئلة الفلسفية، كما لا ينبغي أن تتحول الأسئلة التي لم يحسمها العلم إلى أدلة جاهزة لصالح أي تفسير ميتافيزيقي.
إن الجسر الإنساني المشترك لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، بل بإيجاد مساحة يستطيع فيها المختلفون فحص الأفكار والتمييز بين الأدلة والتفسيرات، ومواصلة الحوار حتى حين لا يصلون إلى النتيجة نفسها.
### هل الثابت هو التدبير؟
ربما كان الثبات الذي نبحث عنه ليس ثبات الأشياء على صورها، بل انتظام العلاقات التي تسمح لها بالتغير. وربما كان هذا الانتظام مدخلًا للتأمل في التدبير والحكمة، وإن لم يكن وحده برهانًا نهائيًا عليهما.
لا أرى أن السؤال عن التدبير الكوني ينتهي بمجرد وصف القوانين، كما لا أرى أن الإيمان بالتدبير يعفينا من البحث في هذه القوانين أو اختبار ما نستنتجه منها.
بين الملاحظة والتفسير مساحة يعمل فيها العقل، وبين ما نعرفه وما لا نعرفه مساحة ينبغي ألا نملأها بالادعاء، ولا نغلقها بالخوف من السؤال.
وأترك للقارئ أسئلة أرى أنها تستحق النقاش: هل يكفي انتظام الظواهر لتبرير الاعتقاد بوجود تدبير وراءها؟ أم أن الانتقال من النظام إلى القصد يحتاج إلى أدلة أخرى؟ وما حدود إدراكنا للعالم الذي نعيش فيه؟
لا أطرح هذه الأسئلة باعتبار أن إجاباتها محسومة سلفًا، بل لأن البحث الجاد يبدأ حين نمنح السؤال حقه، ونختبر الإجابات بقدر ما نختبر افتراضاتنا.
وفي المقال القادم، ننتقل من سؤال التدبير الكوني إلى سؤال حرية الإنسان: إذا كنا نعيش ضمن شروط لم نخترها، فكيف نفهم إرادتنا ومسؤوليتنا؟
أحمد عبدالله علي
التعليقات