للقمر ألفةٌ خاصة مع من يطيلون النظر إليه. نقف تحت ضيائه في سكون الليل، فتعود إلينا أشياء أخفتها الأيام: وجوهٌ غابت، وأسماءٌ لا ننطقها، وشوقٌ لا يجد من يسمعه. وفي تلك اللحظة، نسأل سؤالًا قديمًا: هل الحب الذي يملأ صدورنا صدىً لحبٍّ مثله في قلوب من نحب؟ لا نملك الجواب دائمًا؛ فليس كل ما نشعر به يصل إلى الآخرين، وليس كل ما يصل إلينا نستطيع تفسيره.
ولليل، على وحشته، قدرةٌ على أن يقرّب الإنسان من نفسه. ففي سكونه تخفت ضوضاء العالم، ويجد المرء فسحةً يصغي فيها إلى ما يؤجله في زحام النهار. وفي تلك الساعات، يقوم أناسٌ يسجدون في خلواتهم والناس نيام، لا يطلبون ثناءً ولا ينتظرون شاهدًا من البشر. يتركون في العتمة أثرًا لا تراه العيون: صبرًا يتكوّن، وإخلاصًا ينمو، وثقةً بأن ما خفي عن الناس لا يخفى على الله.
ثم يأتي الفجر، لا مكافأةً تُنتزع، بل وعدًا يوقظ الرجاء. لا يسأل المنتظرين عمّا قدّموه، ولا يخصّ الصابرين بطلوعه؛ إنه يطلع على الجميع، لكنهم لا يستقبلونه بالطريقة نفسها. فمن أمضى ليله مترقبًا يرى في أول خيوطه أملًا يتجدد، ومن غفل عن تعاقب الليل والنهار يراه بداية يوم آخر. فالزمن يمضي على الجميع، لكن ما نحمله في قلوبنا ونحن نعبره يغيّر الطريقة التي نعيشه بها.
ولعل القمر يهمس لنا بمعنى آخر: ليس كل نورٍ مصدره صاحبه. فالقمر لا يصنع ضوءه، بل يعكس ما يتلقاه من الشمس، ومع ذلك ينير عتمة الطريق لمن يسير ليلًا. وهنا تتسع الصورة لتذكّرنا بأن قيمة الإنسان لا تتوقف على أن يكون مصدر كل ما يمنحه؛ فقد تكمن في قدرته على أن يتلقى الخير، ويحفظه في نفسه، ثم ينقله إلى غيره. فليس التواضع أن ننكر ما فينا من نور، بل أن ندرك أن ما نحمله ليس من صنعنا وحدنا.
وحين يثقلنا الشوق أو يرهقنا الانتظار، فلنتذكر أن غياب النتائج لا يعني غياب الأثر، وأن العتمة ليست نهاية الطريق، بل زمنٌ تنضج فيه أشياء لا نراها بعد. فما يعد به الفجر ليس أن تتحقق كل أمانينا، بل أن الليل لا يدوم، وأن في انقضائه فرصةً لنرى ما عجزنا عن رؤيته في الظلام.
لا نملك أن نختار متى يطلع الفجر، ولا أن نعرف ما سيكشفه ضوؤه، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعبر الليل: بخوفٍ يستنزفنا، أم بصبرٍ يمنحنا القدرة على مواصلة السير، وبقلبٍ لا يفقد رجاءه لمجرد أن الطريق لم يتضح بعد. فقد لا نملك أن نعجّل طلوع النور، لكننا نملك ألّا نطفئ ما بقي منه في داخلنا.
التعليقات