جدلية المصير والحرية
لا يبدأ السؤال عن الحرية من سؤال: «هل نحن أحرار؟»، بل من سؤال أسبق: «ما الذي يحيط بنا قبل أن نختار؟». نولد داخل لغة لم نخترها، وأسرة لم نصطفِها، وثقافة سبقتنا بقرون، وظروف اجتماعية ومادية ونفسية ترسم ملامح تجربتنا الأولى في الحياة. وقبل أن تتشكل إرادتنا، تكون عوامل كثيرة قد بدأت بالفعل في تشكيلنا.
لكن هل يعني ذلك أننا مجرد نتاج لما سبقنا، أم أن الإنسان يمتلك قدرة حقيقية على تجاوز بعض ما ورثه وتغيير بعض ما فُرض عليه؟
لفهم هذه العلاقة، يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا يبدأ حياته ضمن منظومة من الشروط السابقة على اختياره. تشبه هذه الشروط الكود الأساسي الذي يعمل النظام من خلاله؛ فهي تؤثر في طريقة فهمه للعالم، وفي ما يراه ممكنًا أو مستحيلًا، مقبولًا أو مرفوضًا. غير أن الإنسان ليس برنامجًا مغلقًا؛ فهو قادر على مراجعة بعض ما تعلمه، وتغيير بعض قناعاته، وإعادة تشكيل جانب من علاقته بنفسه والعالم.
هنا تظهر أهمية الوعي. فالتحرر لا يبدأ بالضرورة من تغيير الظروف الخارجية، بل من اكتشاف أثرها في طريقة تفكيرنا. وما نعدّه رأيًا شخصيًا قد يكون صدى لتربية أو خوف أو تجربة قديمة، وما نظنه اختيارًا حرًا قد يكون استجابة تلقائية لمعايير لم نفحصها من قبل.
لكن اكتشاف الموروث لا يعني رفضه كله. فبعض ما نتلقاه يمنحنا الحكمة والانتماء، وبعضه يضيّق قدرتنا على الفهم والاختيار. والسؤال ليس: كيف نتخلص من كل ما ورثناه؟ بل: كيف نميّز بين ما يستحق أن نحمله، وما ينبغي أن نراجعه، وما يلزمنا أن نتجاوزه؟ وهذا التمييز نفسه يحتاج إلى وعي وأدوات، لا إلى مجرد الرغبة في التحرر.
فبأي أداة نفحص ما ورثناه، إذا كانت أدوات تفكيرنا نفسها قد تشكلت تحت تأثيره؟ هنا تبدأ رحلة الوعي: بالتعلم، والاحتكاك بتجارب مختلفة، والاستماع إلى وجهات نظر لا تشبهنا، والاستعداد لمراجعة أفكارنا حين تظهر أسباب أقوى تدعونا إلى ذلك. لا يمنحنا الوعي استقلالًا مطلقًا، لكنه يوسّع المسافة بين ما يؤثر فينا وبين استجابتنا له.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المصير والإرادة من خلال استعارة بسيطة: المصير حدود الملعب، والإرادة هي اللعبة التي نمارسها داخله. فنحن لا نختار نقطة البداية، ولا نملك التحكم في كل ما يطرأ على الطريق، لكننا نشارك في تحديد طريقة تعاملنا مع ما نواجهه. ومع ذلك، ليست الحدود كلها ثابتة؛ فبعضها يفرضه واقع يصعب تغييره، وبعضها يتراجع بالمعرفة والعمل والتعاون. وقد تكون حرية الإنسان محدودة في موقف، وأوسع في موقف آخر.
ولا تتوزع هذه المساحة بالتساوي بين الناس. فمن يولد في بيئة آمنة، ويحصل على تعليم جيد، ويتمتع بموارد تتيح له التجربة والخطأ، لا يواجه الخيارات نفسها التي يواجهها من يبدأ حياته تحت ضغط الفقر أو العنف أو الحرمان. لذلك، فإن الحديث عن الإرادة وحدها قد يحوّل الحرية إلى مسؤولية فردية مجردة، ويتجاهل الشروط التي تجعل الاختيار ممكنًا أو بالغ الكلفة. وفهم حرية الإنسان يقتضي النظر إلى قدرته الشخصية، وإلى البيئة التي توسّع هذه القدرة أو تحدّ منها.
وهكذا، لا يلزمنا الاختيار بين عالم تحكمه الصدفة بالكامل، وإنسان يتحكم في مصيره تحكمًا مطلقًا. فحياتنا تتشكل من تفاعل عوامل لا نختارها، وقرارات نشارك في صنعها، وظروف نستطيع تغيير بعضها ولا نستطيع تغيير بعضها الآخر. وتبدأ المسؤولية حين نميّز بين ما يقع خارج قدرتنا، وما يمكننا التأثير فيه، وما يقع ضمن نطاق اختيارنا الفعلي.
ومن منظور إيماني، لا يلزم أن تكون معرفة حدود الإنسان انتقاصًا من حريته؛ فقد تكون بداية للحكمة. فالإنسان لا يحيط بكل شيء، ولا يملك نتائج أفعاله كاملة، لكنه مسؤول عن سعيه واختياراته بقدر ما يملك من علم وقدرة. والإيمان هنا لا يلغي السؤال الفلسفي عن العلاقة بين القدر والإرادة، بل يضعه ضمن رؤية تعترف بحدود الإنسان، وتؤكد في الوقت نفسه معنى المسؤولية.
ولعل الخطأ يبدأ حين نطلب من الإنسان أن يكون سيدًا مطلقًا على حياته، أو نختزله في كونه ضحية لا يملك تغيير شيء. كلا التصورين يلغي جانبًا من الحقيقة: الأول يتجاهل القيود، والثاني يتجاهل إمكان الفعل. وبينهما تتشكل مساحة الإنسان الفعلية؛ مساحة قد تضيق أو تتسع، لكنها تستحق أن تُفهم قبل أن نحكم على اختيارات أصحابها.
فالحرية ليست غياب كل قيد، وليست وهمًا نخلقه لمواساة أنفسنا. إنها قدرة تتفاوت، وتنمو بالوعي والمعرفة، وتتأثر بالظروف، وتحتاج إلى بيئة عادلة كي تتاح للناس على نحو أوسع. وكلما فهم الإنسان ما شكّله، أصبح أقدر على التمييز بين ما يختاره فعلًا وما يختاره دون وعي، وبين ما يستطيع تغييره وما يحتاج إلى قبوله بحكمة أو مقاومته بقدر استطاعته.
قد لا نختار كل ما نعيشه، لكننا نستطيع أن نسعى إلى فهمه، وأن نتحمل مسؤولية ما نملكه من اختيار، وأن نعمل على توسيع مساحة الحرية لأنفسنا ولغيرنا.
التعليقات