الجزء الأول
كان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على أحد أحياء القاهرة، بينما كانت أصوات السيارات والمارة تتراجع تدريجيًا.
في شقة صغيرة بالطابق الرابع، جلس خالد أمام مكتبه الخشبي القديم، محاولًا إنهاء بعض واجباته قبل أن يذهب إلى عمله.
كان خالد في الثامنة عشرة من عمره، لكن حياته لم تكن تشبه حياة معظم من هم في سنه.
منذ وفاة والده قبل سنوات، أصبح يشعر أنه اضطر إلى أن يكبر أسرع من اللازم.
كانت والدته تحاول دائمًا إخفاء تعبها، بينما لم تكن شقيقته الصغيرة سارة تعرف الكثير عن الظروف التي مرت بها العائلة.
كان خالد يعمل بعد المدرسة ليساعد والدته في مصاريف البيت.
لم يكن يحب الحديث عن والده كثيرًا.
ليس لأنه نسيه...
بل لأن كل شيء يتعلق به كان يؤلمه.
كان يتذكره كرجل هادئ، قليل الكلام، لكنه كان يشعر دائمًا أن والده كان يخفي شيئًا.
وفي تلك الليلة، وبينما كان خالد يستعد للخروج، سمع طرقًا على باب الشقة.
ثلاث طرقات متتالية.
توقف خالد.
نظر إلى والدته التي كانت في المطبخ.
— مين؟
لم يأتِ رد.
اقترب خالد من الباب ونظر من العين السحرية.
لم يكن هناك أحد.
فتح الباب بحذر.
كان الممر فارغًا.
لكنه وجد شيئًا أمام الباب.
ظرفًا أسود.
انحنى والتقطه.
لم يكن عليه اسم ولا عنوان.
عاد إلى الداخل وأغلق الباب.
كانت والدته تنظر إليه من بعيد.
— إيه ده؟
— معرفش.
فتح خالد الظرف.
وفي داخله كانت هناك صورة قديمة لرجل يعرفه جيدًا.
والده.
تجمد خالد في مكانه.
كانت الصورة لوالده واقفًا أمام مبنى قديم، وإلى جواره ثلاثة رجال.
أحدهم لم يعرفه خالد.
أما الرجل الثاني فكان حسام النجار، رجل الأعمال المعروف الذي كان خالد قد سمع اسمه كثيرًا من والده.
قلب خالد الصورة.
وجد جملة واحدة مكتوبة بخط اليد:
"لو حصل لي حاجة... دور على خالد."
ظل خالد يقرأ الجملة مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
رفع عينيه نحو والدته.
كانت قد تغير لون وجهها.
— ماما... إنتِ عارفة حاجة؟
لم تجب.
— ماما؟
اقتربت منه وأخذت الصورة من يده.
حدقت فيها طويلًا.
ثم قالت بصوت منخفض:
— ارمي الظرف يا خالد.
— ليه؟
— من غير أسئلة.
— بس دي صورة بابا!
رفعت والدته عينيها إليه.
وكان في نظرتها خوف لم يره خالد فيها من قبل.
— قلت لك ارميه.
لكن خالد لم يفعل.
وضع الظرف داخل درج مكتبه وأغلقه.
— مش هارميه.
وفي صباح اليوم التالي، انتشر خبر في الحي وعلى مواقع الأخبار:
وفاة رجل الأعمال حسام النجار في ظروف غامضة.
ظل خالد ينظر إلى شاشة هاتفه.
الصورة الموجودة في الخبر كانت للرجل نفسه الموجود في الصورة التي وصلته الليلة الماضية.
شعر بقشعريرة.
لم تكن صدفة.
كان هناك شيء يربط والده بهذا الرجل.
والآن...
حسام مات.
وفي مكان آخر من القاهرة، كانت ليان النجار تجلس وحدها في غرفة والدها.
لم تستطع النوم منذ وفاته.
كان والدها قد ترك خلفه مكتبًا مليئًا بالملفات والأوراق.
دخلت ليان المكتب مرة أخرى.
كانت تبحث عن أي شيء يمكن أن يفسر لها ما حدث.
فتحت الأدراج واحدًا تلو الآخر.
لم تجد شيئًا.
ثم لاحظت درجًا صغيرًا مغلقًا بالمفتاح.
تذكرت أن والدها كان يحتفظ بمفتاح صغير في ساعة يده.
وجدته.
فتحت الدرج.
كان بداخله هاتف قديم.
ضغطت زر التشغيل.
ظهرت رسالة واحدة فقط.
مرسلها: حسام النجار.
لكن الرسالة كانت لنفسه.
"لو حصل لي حاجة، متثقيش في أي حد من العيلة."
توقفت ليان.
ثم ظهرت تحتها ملاحظة أخرى:
"دوري على خالد."
لم تكن تعرف من هو خالد.
لكنها قررت أن تعرف.
وفي اليوم نفسه، خرج خالد من المدرسة متجهًا إلى عمله.
كان يحاول التصرف بشكل طبيعي.
لكن عقله لم يتوقف عن التفكير في الصورة.
من هو الرجل الثالث؟
ولماذا كتب والده اسم خالد؟
ولماذا كان حسام النجار يعرفه؟
وأهم سؤال...
هل وفاة والده قبل سنوات كانت فعلًا حادثًا كما أخبروه؟
عند وصوله إلى مكان عمله، لاحظ رجلًا يقف على الجانب الآخر من الشارع.
رجل يرتدي سترة سوداء.
كان ينظر إليه.
ظل خالد يراقبه.
وبمجرد أن تحرك خالد نحوه، استدار الرجل واختفى بين السيارات.
خرج خالد إلى الشارع.
لم يجده.
عاد إلى عمله، لكنه لم يستطع التخلص من الإحساس بأن أحدًا يراقبه.
وفي المساء، عاد خالد إلى البيت.
فتح درج مكتبه.
أخرج الظرف الأسود.
وجد ورقة صغيرة لم يلاحظها في المرة الأولى.
فتحها.
كان مكتوبًا:
"المخزن 13."
وتحتها تاريخ:
17 أكتوبر.
توقف خالد.
17 أكتوبر...
كان هو تاريخ وفاة والده.
لم يعد الأمر مجرد صورة قديمة.
أحدهم كان يريد منه أن يبحث.
لكن لماذا الآن؟
في اليوم التالي، وبينما كان خالد خارجًا من المدرسة، اعترضت طريقه فتاة.
كانت في عمر قريب منه، ترتدي ملابس بسيطة وتحمل حقيبة سوداء.
قالت:
— خالد؟
توقف.
— أيوه.
نظرت إليه لثوانٍ.
ثم قالت:
— أنا ليان النجار.
شعر خالد أن الأرض توقفت للحظة.
— النجار؟
— أيوه... حسام النجار كان والدي.
لم يعرف خالد ماذا يقول.
أخرجت ليان هاتفها وفتحت صورة لرسالة والدها.
— أبويا قبل ما يموت كتب اسمك.
نظر خالد إلى الشاشة.
كانت الجملة نفسها:
"دوري على خالد."
رفع خالد عينيه إليها.
— هو كان يعرف أبويا؟
قالت ليان:
— أعتقد إن الموضوع أكبر من كده.
صمت الاثنان.
ثم سألت:
— إنت عندك حاجة من أبويا؟
تردد خالد.
كان يستطيع أن يقول لا.
لكنه أخرج الصورة من جيبه.
نظر إليها.
ثم أعطاها لليان.
اتسعت عيناها عندما رأت والدها في الصورة.
— الصورة دي كانت عندك؟
— وصلتلي في ظرف أسود.
— إمتى؟
— من يومين.
سكتت ليان قليلًا.
ثم قالت:
— يبقى حد كان عايزنا نتقابل.
جلس خالد وليان في مقهى صغير بعيد عن الزحام.
لم يكن أي منهما يعرف الآخر.
لكن الظروف جعلتهما يجلسان أمام بعضهما.
بدأ خالد يحكي لها عن والده.
عن وفاته.
عن أن الجميع قال إنها كانت حادثة.
وعن الظرف الأسود.
قالت ليان:
— أبويا كان خايف قبل ما يموت.
— من مين؟
— معرفش.
— كان بيتكلم عن حد؟
— كان بيقول إن في حاجة غلط في شغله... وإنه وثق في ناس غلط.
سكت خالد.
ثم أخرج الورقة.
وضعها على الطاولة.
المخزن 13.
نظرت ليان إليها.
— نروح؟
تردد خالد.
ثم قال:
— لو دي الحاجة الوحيدة اللي عندنا، لازم نعرف.
وفي مساء اليوم التالي، وصلا إلى منطقة صناعية قديمة.
كان المخزن رقم 13 في نهاية شارع شبه خالٍ.
الباب الحديدي كان صدئًا.
دفعه خالد.
صدر صوت حاد اخترق الصمت.
دخل الاثنان.
كان المكان مظلمًا.
أخرج خالد هاتفه وشغل المصباح.
صناديق قديمة.
أوراق متناثرة.
طاولة خشبية.
وفي آخر المخزن...
وجدوا خزانة صغيرة.
فتحها خالد.
كانت فارغة تقريبًا.
لكن في قاعها وجد ظرفًا آخر.
هذه المرة كان أبيض.
فتحه.
في داخله ورقة واحدة:
"لو وصلت لهنا، يبقى أنت بدأت تدور في المكان الصح."
وتحتها:
"لكن خلي بالك... مش كل اللي هيساعدك، عايز ينقذك."
فجأة سمعا صوتًا خلفهما.
التفت خالد بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
ثم انغلق باب المخزن.
حاول خالد فتحه.
كان مقفولًا من الخارج.
نظرت ليان إليه بقلق.
— خالد...
قال:
— اهدي.
لكن قبل أن يفعل أي شيء، ظهر ضوء من نافذة صغيرة في الجدار المقابل.
كان هناك شخص يقف خارج المخزن.
رجل يرتدي السترة السوداء نفسها.
رفع يده ووضع إصبعه على فمه.
ثم قال من خلف الباب:
— لو عايز تعرف الحقيقة عن أبوك... متثقش في حد.
واختفى.
ظل خالد وليان ينظران إلى بعضهما.
وبعد لحظات، سمعا صوت المفتاح وهو يدور في القفل.
فتح الباب من الخارج.
خرج خالد بسرعة.
لم يجد أحدًا.
عاد إلى المخزن.
كانت ليان تقف أمام الطاولة.
وبجانبها شيء لم يكن موجودًا قبل دقائق.
صورة جديدة.
صورة لوالد خالد.
لكن هذه المرة...
كان يقف أمام منزله ليلة وفاته.
وخلفه مباشرة كان يقف رجل آخر.
رجل لم يكن خالد يعرفه.
وفي أسفل الصورة كُتبت جملة واحدة:
"أبوك ما ماتش في الحادث... حد خلاه يموت."
نظر خالد إلى الصورة.
ولأول مرة منذ سنوات، بدأ يشك في كل ما قيل له عن وفاة والده.
أما ليان، فرفعت عينيها إليه وقالت:
— خالد... إحنا دخلنا في حاجة أكبر مننا.
نظر إليها خالد.
ثم أعاد الصورة إلى الظرف.
— وأنا مش هقف غير لما أعرف الحقيقة.
وفي مكان بعيد، كان الرجل ذو السترة السوداء يراقبهما من داخل سيارة متوقفة.
أخرج هاتفه واتصل بأحدهم.
وقال:
— خالد بدأ يدور.
جاءه صوت من الطرف الآخر:
— يبقى لازم نعرف مين وصله للموضوع.
أغلق الرجل الهاتف.
ونظر نحو المخزن.
ثم قال لنفسه:
— الوقت خلص.
وكانت تلك هي البداية الحقيقية... لآخر خيوط القدر.