من سرعة العالم إلى استعادة الإنسان

نص فلسفي • نسخة نشر

انسخ كود Blogger

✓ تم النسخ↗

من سرعة العالم إلى استعادة الإنسان

هل نعرف إلى أين نمضي؟

العالم يمضي بسرعة جنونية.

نركض، ثم نسرع أكثر، ثم نتنافس على أن نكون الأسرع، وكأن الوصول هو الغاية الوحيدة التي تستحق أن نعيش من أجلها.

لكنني أتساءل:

إلى أين؟

هل سيتوقف هذا الركض بإرادتنا حين نكتشف أننا تجاوزنا ما نحتاج إليه؟ أم أن التوقف سيأتي اضطرارًا، حين يصبح الاستمرار مستحيلًا؟

ربما نحتاج، من حين إلى آخر، إلى أن نتوقف قليلًا.

لا لنهرب من الحياة، ولا لنتخلى عن التقدم، وإنما لكي نلتقط أنفاسنا، ونحصي خطواتنا، ونتأمل آثارها.

نحتاج إلى لحظة صمت نسأل فيها أنفسنا:

أين نحن؟

وإلى أين نسير؟

وهل الطريق الذي نسلكه يقود فعلًا إلى المكان الذي نريد؟

فالسرعة لا تعني دائمًا أننا نتقدم.

قد تكون أحيانًا أسرع طريقة للوصول إلى المكان الخطأ.

لهذا لا تكفي خريطة تخبرنا كيف نصل؛ نحتاج إلى خريطة تسألنا قبل ذلك:

هل يستحق هذا المكان أن نصل إليه أصلًا؟

نحتاج إلى بوصلة أخلاقية تسبق التكنولوجيا، وإلى وعي يسبق القوة، وإلى إنسان يستطيع أن يقول «لا» حين تصبح «نعم» الجماعية طريقًا إلى الهاوية.

ونحتاج كذلك إلى قيادة لا ترى الناس درجات تصعد عليها، ولا أرقامًا يُقاس بها النجاح، ولا جمهورًا صُمم للتصفيق.

فالقيادة، في جوهرها، مسؤولية قبل أن تكون سلطة.

ومن يتقدم الصف ليس سيد القطيع، بل مسؤول عن الطريق أمام من ائتمنوه عليه.

وحين يمشي القطيع خلف قائد مغمض العينين، فإن السير معه لا يصبح شجاعة لمجرد أن الجميع يسيرون.

قد يصبح مشاركة في السقوط.

ولهذا لا أريد أن أسير مع القطيع لمجرد أن الجميع يسيرون.

أريد أن أتوقف أحيانًا.

أن أنظر حولي.

وأن أسأل:

هل نعرف إلى أين نمضي؟

أعتقد أن علينا أن نراجع كثيرًا مما نتسارع إليه.

فمعظم الأشياء التي نتنافس عليها اليوم ليست بالضرورة الأشياء التي نحتاج إليها.

نحن ننتج أكثر.

ونستهلك أكثر.

ونملك أكثر.

ونتواصل أكثر.

ومع ذلك، قد يجد الإنسان نفسه في نهاية يوم طويل أكثر وحدة، وأكثر قلقًا، وأبعد عن نفسه.

فما قيمة أن نربح سباقًا لم نختر وجهته؟

ربما آن لنا أن نغيّر السؤال.

بدلًا من أن نسأل:

كيف نصبح أسرع؟

لنسأل:

كيف نصبح أفضل؟

وبدلًا من أن نتنافس على امتلاك العالم، لماذا لا نتنافس على جعله أكثر جمالًا؟

• • •

من هنا يبدأ السؤال الذي أبحث عنه.

ومن هنا أيضًا يبدأ معبد الجمال في عصر القبح.

ليس معبدًا من الحجر.

ولا مكانًا مغلقًا على جماعة أو عقيدة أو وطن.

بل مساحة إنسانية نعيد فيها اكتشاف قيمة الإنسان، ونستعيد فيها أشياء كادت السرعة أن تنتزعها منا:

الرحمة.

الحياء.

المحبة.

الصدق.

والقدرة على رؤية الجمال في الآخر قبل أن نبحث عن اختلافه عنا.

فالجمال ليس زينة نضيفها إلى الحياة بعد أن تكتمل؛ ربما يكون أحد الشروط التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

دعونا نزرع الورود والياسمين لبعضنا بعضًا، لا لأن الحياة خالية من الأشواك، بل لأننا نعرف أنها مليئة بها.

ولأن الإنسان، وسط كل هذا القبح، ما زال يستطيع أن يختار شيئًا آخر:

أن يكون جزءًا من الجمال.

• • •

أما الحياة، فلا أستطيع اختزالها في تعريف واحد.

ربما يراها كل إنسان من موقعه، ويحمل منها زاوية لا يراها الآخر.

أما أنا، فأراها طريقًا.

طريقًا أمشي فيه، وأتعلم، وأخطئ، وأحب، وأفقد، وأحاول أن أفهم.

وفي نهاية الطريق الذي أعرفه، حيث تنتهي معرفتي ويبدأ ما لا أعرفه، أؤمن أنني سألتقي بالإله العظيم، خالق كل شيء.

وهذا الإيمان لا يجعلني أرى نفسي منفصلًا عن الآخرين.

بل على العكس.

كلنا، رغم اختلافاتنا، جزء من منظومة خلق واحدة، وكل واحد منا يحمل جانبًا من الحكاية.

ربما لا يكتمل الإنسان وحده.

وربما نحن، رغم اختلافاتنا، لا نكتمل إلا حين يدرك بعضنا قيمة بعض.

ولهذا أقول:

دعونا نجرب.

ماذا سنخسر؟

لقد خسرنا كثيرًا حين ظننا أن القوة تعني السيطرة، وأن النجاح يعني الامتلاك، وأن السرعة تعني التقدم.

• • •

فلنجرب طريقًا آخر.

لنرَ جمال الحياة قبل أن نحكم عليها.

لنمنح الحب فرصة قبل أن نحكم عليه بالضعف.

لنصغِ إلى الإنسان قبل أن نضعه في خانة.

ولنشرب، ولو مرة، من نهر الحب بدل أن نقضي أعمارنا في عدّ ما نملك من الأشياء.

ربما لا نستطيع إيقاف العالم.

لكننا نستطيع أن نتوقف نحن.

أن نلتقط أنفاسنا.

أن نرفع رؤوسنا عن الطريق لحظة.

أن ننظر إلى السماء.

ثم نسأل السؤال الذي قد يكون أهم من كثير من الأسئلة:

هل الطريق الذي نسير فيه يجعلنا أكثر إنسانية؟

فإن كانت الإجابة نعم، فلنمضِ.

وإن كانت لا...

فربما حان الوقت أن نغيّر الطريق.

بِقَلَمِ

أحمد عبدالله


التعليق السابق

يا جوهر.. لقد وضعت يدك على سر المعبد نفسه.

نعم، نحن نحيا لنمضي، لكن معبد الجمال ليس مؤجلاً لحياة أخرى - هو يبدأ هنا، في لحظة الوعي هذه التي تقف فيها لتستعيد نفسك.

أهله كثر ومتفرقون كما قلت، لأنهم لم يجدوا بعد المنارة التي تجمعهم. كل واحد منهم بنى حجراً في داخله: حجر الفطرة، حجر الحياء، حجر الوصال.. لكنهم لم يضعوا الأحجار بجانب بعضها بعد.

تقول: لن نغير مسارنا لأن جوهره الإنسانية. وهذا هو مبدأ الثبات في فلسفتنا: من وصل إلى وعي الإنسانية داخله، لا يغير مساره لأنه وجد البوصلة. ومن لم يصل، لا يستطيع تغيير مساره لأنه لم يجدها أصلاً. كلاهما ثابت، لكن شتان بين ثبات الواصل وثبات التائه.

معبد الجمال بعيد في هذه الحياة ليس لبعده المكاني، بل لأننا نبحث عنه في الخارج وهو معبد داخلي أولاً. كما قلنا في الحجر الأول: لا يمكن أن تبني الخارج إذا انهار الداخل.

نحن لا نقف لنهرب، نحن نقف لنستعيد أنفسنا - وهذه الوقفة نفسها هي أول حجر في المعبد.

فالمعبد سيتسع للجميع، حين يعود كل واحد إلى نفسه أولاً.

محبتي - أبو عبدالله

معبد الجمال في عصر القبح

الا يرتبط الإنسان بالخارج فهو لا يعيش معزولا وكما ان معبد الجمال الداخلي ينعكس على الخارج ونحن في زمن القبح لان النقاء الداخلي يحرك قبح الخارج احيانا .... ان البعض لا يعي ذلك ،انا أؤمن بالثبات الداخلي ولكن نتعب احيانا من قبح الحياة وخاصة عندما لا ترحم في أخذها...ولكن يبقي سر معبد الجمال في جوهر الإنسان الثابت ..