وحشني نفسي — اعترافات رجل في الستين

وحشني نفسي

اعترافات رجل في الستين

أحمد عبدالله — بلبيس، ٢٠٢٦

لم أعد أبحث عن السعادة.

أبحث عن نفسي التي تركتها على قارعة الطريق قبل أربعين عامًا، وقلت لها: انتظريني، سأعود.

لم أكن أعرف يومها أن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن نفسه كل هذه المسافة، وهو يظن أنه يقترب من الحياة.

وأنا في الستين، بدأت أفهم أن العمر ليس السنوات التي مرت فقط، بل الأشياء التي أخذتها تلك السنوات منا ونحن منشغلون بالعيش.

أستيقظ أحيانًا قبل أن أفتح عينيّ، ويهبط على صدري سؤال واحد:

هل أواصل؟

لا أسأل إن كنت أستطيع الاستمرار؛ فقد اعتدت الاستمرار.

السؤال الحقيقي هو: إلى أين؟

فقد يمضي الإنسان طويلًا في الطريق، ثم يكتشف أنه كان يعرف الطريق أكثر مما يعرف نفسه.

أجلس قرب النافذة في بلبيس، فأرى الشارع الذي أعرفه، والبيوت التي عرفتني قبل أن أعرف معنى الغربة، وأشعر أن الأماكن أحيانًا تكون أصدق من ذاكرتنا.

كل شيء يبدو في مكانه.

إلا أنا.

أحاول أن أفتش في السنوات عن اللحظة التي ابتعدت فيها عن نفسي، فلا أجد لحظة واحدة.

أجد أشياء صغيرة.

تنازلًا هنا.

وصمتًا هناك.

وحلمًا قلت له: ليس الآن.

ومرة أخرى قلت: عندما تهدأ الحياة.

ثم مضت الحياة.

ولم أعد.

وحشني نفسي

وحشني ذلك الولد.

كان في الثانية عشرة، يجري في الحقول حافيًا، ولا يعرف شيئًا عن الغد.

إذا جاع، أكل من شجرة، وإذا تعب، جلس تحت شجرة أخرى.

لم تكن لديه خطط بعيدة، ولا حسابات كثيرة، ولا خوف دائم من أن يخطئ.

كان لديه قلب.

فقط قلب.

وكان يرى العالم بطريقة لا أعرف كيف فقدتها.

حين كنت طفلًا، كنت أرى جمال الكون في صفائه ونقائه.

لم أكن أعرف يومها معنى الصفاء، ولم أملك الكلمات التي أستطيع بها أن أصف ما أشعر به، لكنني كنت أشعر أن في هذا العالم شيئًا أكبر من الأشياء التي نراها، وأن للطبيعة لغة لا تحتاج إلى أن نتعلمها.

حتى المطر.

حين كان ينزل على الأرض، لم أكن أراه مجرد ماء يسقط من السماء.

كنت أشعر أنه رسالة أرسلتها السماء إلى الأرض.

وأحيانًا كنت أشعر أنه عناق حميمي من السماء للأرض؛ كأن السماء تنحني نحوها، وتغسل عنها غبار الأيام، ثم تتركها أكثر حياة.

كنت أقف تحت المطر وأصغي.

لم أكن أعرف إلى ماذا أصغي، لكنني كنت أشعر بشيء يصل إليّ.

ربما كان ذلك أول درس تعلمته في الجمال دون أن أعرف أنه درس.

كنت أرى الجمال قبل أن أعرف اسمه.

وأشعر بالأمان قبل أن أعرف أن الإنسان يمكن أن يفقده.

وأتذكر جدتي.

كانت، حين تراني من بعيد، تفتح ذراعيها.

لم تكن بحاجة إلى أن تناديني.

كنت أعرف أن تلك الذراعين تنتظرانني.

فأركض إليها.

وحين تحتضنني، كنت أشعر أنني أسبح في نهر من الحنان والأمان.

كان حضنها عالمًا كاملًا.

لا خوف فيه.

لا أسئلة.

لا حسابات.

لا حاجة لأن أكون قويًا.

كنت طفلًا فقط.

وكان ذلك كافيًا.

ربما كان ذلك هو معنى الحياة قبل أن نعقّدها:

أن ترى المطر رسالة، وأن ترى حضن جدتك وطنًا، وأن تستيقظ كل صباح دون أن تسأل نفسك إن كنت قد أصبحت الشخص الذي ينبغي أن تكونه.

لم أكن أعرف أنني أعيش أجمل سنواتي.

كنت أعيشها فقط.

وهذه إحدى قسوة الحياة: أننا لا نعرف قيمة بعض الأشياء إلا بعد أن تصبح ذكريات.

ثم كبرت

ثم كبرت.

وهنا بدأت الحكاية الأخرى.

لم أفقد قدرتي على رؤية الأشياء الجميلة فجأة.

فقدتها بالتدريج.

كلما كبرت مسؤولياتي، صغر العالم في عيني.

وكلما تعلمت كيف أحمي نفسي، نسيت كيف أترك قلبي مفتوحًا.

وكلما تعلمت أن أقول «نعم» كي لا أؤذي أحدًا، ابتعدت خطوة أخرى عن نفسي.

بدأت أتعلم الحسابات التي لا يعرفها الأطفال:

ماذا أقول؟

ومتى أصمت؟

من أغضب؟

ومن أرضي؟

وماذا أتحمل؟

وماذا أؤجل؟

وكان كل قرار يبدو صغيرًا.

لكن القرارات الصغيرة، حين تتراكم، تستطيع أن تصنع حياة كاملة.

حتى جاء يوم اكتشفت فيه أنني أصبحت أجيد العيش...

لكنني لم أعد أعرف كيف أكون أنا.

كانوا يقولون: أنت طيب

كانوا يقولون لي:

أنت طيب.

كنت أفرح.

من منا لا يحب أن يسمع عن نفسه كلامًا جميلًا؟

لكنني فهمت بعد سنوات أن الطيبة ليست دائمًا كما تبدو.

هناك طيبة تمنحك قوة؛ لأنك تفعل الخير وأنت تعرف حدودك.

وهناك طيبة تجعلك تتنازل عن نفسك حتى لا يغضب أحد.

كنت أقول نعم كثيرًا.

وأصمت كثيرًا.

وأغفر كثيرًا.

وأؤجل نفسي أكثر مما ينبغي.

كنت أخشى أن أجرح أحدًا، فلم أسأل نفسي كم مرة جُرحت أنا.

وكنت أخشى أن أخسر الآخرين، فلم أنتبه إلى أنني أخسر نفسي بالتدريج.

الطيبة لم تكن دائمًا فضيلة.

أحيانًا كانت طريقة للاختفاء.

كنت أضيّع أشياء كثيرة كي لا يغضب أحد.

وأحيانًا كنت أضيّع حتى نفسي.

ولم أفهم إلا متأخرًا أن الإنسان يستطيع أن يكون حاضرًا في حياة الجميع، وغائبًا عن حياته هو.

أنا أسيرها وهي أسيرتي

الحياة نفسها كانت تشبه علاقة طويلة لا أعرف كيف أنهيها، ولا كيف أتركها.

أقول لها: تعبت.

فتطلب مني أن أكمل.

أشد الحبل، فترخيه.

أبتعد قليلًا، فتعيدني إلى المكان نفسه.

عِشرة عمر.

ليس من السهل أن تخرج من حياة عشتها كلها، حتى حين تكون قد أتعبتك.

اخترت أن أبقى هنا، في بلبيس، في الشوارع التي أعرفها، وفي الأماكن التي تحفظ خطواتي.

يقولون: وفاء.

وربما هو وفاء.

وربما هو خوف جميل من أن أضيع فلا أجد من يدلني عليّ.

فالإنسان لا يرتبط بالأماكن لأنها جميلة دائمًا، وإنما لأنها تحمل شيئًا منه.

بيت بنيته طوبة طوبة.

طريق مشيته مئات المرات.

وجه كان يمر من هنا ثم اختفى.

صوت كان يأتي من نافذة ثم سكت.

كل ذلك يصبح جزءًا من الإنسان، حتى لا يعود قادرًا على معرفة أين تنتهي الأمكنة ويبدأ هو.

مقبرة الأحبة

ثم جاء الفقد.

ليس الفقد مرة واحدة.

الفقد يتراكم.

شخص يرحل.

ثم آخر.

ثم وجه كنت تظن أنك ستراه إلى الأبد، فإذا به يصبح صورة.

وصوت كنت تسمعه كل يوم، فإذا بك تبحث عنه في ذاكرتك.

وأشخاص كانوا يملأون الحارة حياة، فإذا بهم يتحولون إلى أسماء وصور على الجدران.

أبي.

أمي.

وأناس أحببتهم.

وأناس لم أعرف قيمتهم إلا بعد أن غابوا.

القلب أصبح مقبرة جماعية للأحبة.

كلما غاب أحد، حفرت له مكانًا في داخلي.

ومع مرور السنوات، لم أعد أعرف: هل أنا أحمل ذاكرتهم، أم أن ذاكرتهم هي التي تحملني؟

كنت أظن أن الكِبَر هو أن تتعب قدماك.

الآن عرفت أن الكِبَر هو أن تتعب ذاكرتك من حمل من تحب.

أن تحمل من تحب فوق ظهرك ستين سنة، ذلك هو ثقل العمر الحقيقي.

شوال قديم على كتفي، فيه رغيف يابس، وصورة صفراء، واسم أمي، وأشياء صغيرة لا يعرف أحد لماذا ما زلت أحتفظ بها.

لكنني أعرف.

لأن الإنسان لا يحتفظ بالأشياء دائمًا لقيمتها.

أحيانًا يحتفظ بها لأنها آخر خيط يربطه بمن كان.

لم أضع نفسي... كنت أؤجلها

وهنا فهمت.

لم أضع نفسي.

كنت أؤجلها.

كل مرة قلت فيها: لاحقًا.

كل مرة قلت: عندما تنتهي هذه المسؤولية.

عندما تتحسن الظروف.

عندما يهدأ العالم.

عندما يصبح لدي وقت.

كنت أؤجل العودة.

حتى تحولت كلمة «لاحقًا» إلى سنوات.

ثم إلى عقود.

ثم أصبحت أربعين عامًا.

ولذلك، وأنا في الستين، لا أريد أن ألوم الماضي.

الماضي لا يسمع.

ولا أريد أن أطلب من الزمن أن يعيد لي ما أخذه.

أنا فقط أريد أن أفهمه.

وأفهم نفسي معه.

ربما لم يكن عليّ أن أهرب من الحياة.

ربما كان عليّ فقط ألا أختفي داخلها.

أفتش عني في جنبات الزمن

لهذا بدأت أفتش عني في جنبات الزمن.

لا أبحث عن عمر آخر.

ولا أريد أن أعود شابًا.

ولا أبحث عن نسخة قديمة مني لأضعها مكان الرجل الذي أصبحت عليه.

أبحث عن ذلك الجزء الذي بقي حيًا.

عن الولد الذي كان يركض حافيًا في الحقول.

عن العين التي كانت ترى في المطر رسالة.

عن القلب الذي كان يجد في حضن جدته وطنًا.

عن الإنسان الذي كان يستطيع أن يحب دون أن يحسب خسارته.

أفتش في صوت أبي وأمي.

في الوجوه التي غابت.

في الطرق التي مشيتها.

في البيوت التي تركت فيها شيئًا مني.

وفي كل مرة قلت فيها «نعم» بينما كان داخلي يريد أن يقول «لا».

أفتش في أخطائي كما أفتش في أفراحي.

فربما لم تكن الحياة تريد مني أن أكون كاملًا.

ربما كانت تريد مني فقط أن أكون حاضرًا فيها.

أن أعرف من أكون.

وألا أقضي ما تبقى منها في محاولة إرضاء الجميع.

أنا الآن في الستين.

لا أخجل من الرقم.

بل أشعر أنه أول رقم في حياتي أستطيع أن أنظر إليه دون أن أحاول الهرب منه.

ستون عامًا ليست نهاية الطريق.

لكنها كافية لكي يفهم الإنسان أن الوقت ليس شيئًا نملكه.

إنه شيء يمر بنا.

وأن أجمل ما يمكن أن نفعله فيما تبقى منه ألا نمضي بعيدًا عن أنفسنا مرة أخرى.

ربما لا أستطيع أن أستعيد طفولتي.

ولا أريد.

فالطفل انتهى دوره.

لكنه ترك لي شيئًا أثمن من العمر نفسه:

عينين تعرفان كيف تريان الجمال.

وقلبًا يعرف معنى الأمان.

وذاكرة، مهما أثقلها الغياب، ما زالت قادرة على فتح الباب.

ولهذا، عندما ينزل المطر الآن، لا أهرب.

أفتح النافذة.

وأصغي.

ولا أعرف إن كنت أسمع المطر أم أسمع ذلك الطفل القديم.

لكني أشعر، للحظة، أن السماء ما زالت تعرف الطريق إليّ.

فأبتسم.

ربما لم أكن أبحث عن الماضي أصلًا.

كنت أبحث عن نفسي التي كانت هناك.

عن ذلك الجزء الذي لم يمت، لكنه انتظرني طويلًا.

وحين عدت إليه، لم يعاتبني.

لم يسألني:

أين كنت؟

فقط نظر إليّ.

وفتح ذراعيه.

كجدتي.

وكأن الزمن كله لم يكن سوى طريق طويل إلى ذلك الحضن الأول.

عندها فهمت.

لم أكن بحاجة إلى أن أبدأ حياة جديدة.

كنت بحاجة إلى أن أعود إلى حياتي.

وأن أعيش ما تبقى منها وأنا حاضر فيها.

أنا لا أبحث عن السعادة الآن.

ولا عن عمر آخر.

ولا عن رجل أصغر يسكن هذا الجسد.

أنا فقط...

وحشني نفسي.

وربما، للمرة الأولى منذ أربعين عامًا، بدأت أعود.


التعليق السابق

يبدو أن بداية ردك اشتملت على جملة موجهة لك وليس لي .

على كل حال فأنا لم أختر هذا المثال لحرفية التشبيه الذي ذكرته (ضغط الحياة والقيم) وإنما فقط لحالة الهروب التي لا يبالي وقتها الشخص بما أصابه من تغير .

وأما (المرآة) فليست من الضروري أن تكون عند الستين ، بل الأقرب أنها تكون قبلها بكثير ، عند بدء التغيرات والتي يصاحبها انزعاج النفس لأن تكرار الفعل يتسبب في أن يألفه صاحبه ولربما لم يعد يحس بانزعاج منه بعد ذلك .

قال النبي صلى الله عليه وسلم (تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا ، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعرِفُ مَعروفًا ، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه) .

وأما البساطة فيمكن العودة إليها في بعض الأشياء ولكن ليس في كل شيء للأسف ، لا يمكن أن تقتصر الرياضيات على الجمع والطرح بعد أن عرفنا التفاضل والتكامل ، لا يمكن أن ننسى إهانات وخيانات أصابتنا من أناس كنا نظن أنهم قريبون منا ، ولا يمكن التخلص من آثار ندوب لازمت أنفسنا قبل أبداننا .

اتفق معك أن المرآة ليست عند الستين، بل عند أول نكتة سوداء كما ذكرت في حديث عرض الفتن على القلوب، وهنا بالضبط تأتي فكرة المؤسسة التي أطرحها: الفرد يألف ويتعود حتى لا يعود يحس بانزعاج، أما المؤسسة فهي المرآة المبكرة التي لا تألف.

أما عن البساطة، فلا أقصد بها العودة للجمع والطرح بعد التفاضل، بل أقصد ألا نبني تفاضلاً وتكاملاً فوق جرح مفتوح. الندوب التي ذكرتها لا تُنسى، لكنها لا يجب أن تكون هي المنهج.