أنا لا أخون حزني - ثلاثية قصيرة
Ahmed Abdullah Ali Writes
ahmed.abdullah.ali.writes@gmail.com
١- السفرة الغريبة
استيقظت بين النوم واليقظة، على صوتين يتنازعان اسمي في وقت واحد.
صوت أمي من المطبخ، ذلك الصوت الذي أعرفه منذ أول يوم لي في الحياة: "هيا يا بني، الطعام جاهز". صوت دافئ، لا يكذب، صوت الأمان.
وصوت آخر، من غرفة أخرى لا أعرفها، لامرأة تصيح بلهفة: "استيقظ حبيبي، لقد صنعنا لك الطعام الذي تحبه، هيا.. الأولاد ينتظرونك وهم جائعون".
ذهبت وجلست على السفرة. على يميني أمي، وعلى يساري فراغ يمتلئ بوجوه لا أعرفها، لكنها تعرفني جيداً. تناديني يا حبيبي مرة، ويا أبي مرة أخرى.
في تلك اللحظة أدركت أن الكتاب قد فُتح. كتاب الزمن الذي كنت أخاف أن أفتحه، قد فُتح وحده وألقى بي في المستقبل.
هربت. قمت من تلك السفرة المزدوجة، وجريت لأقبل يد أمي، وحمدت الله أني ما زلت هنا.
كلنا نعيش تلك السفرة الغريبة. نجلس في حاضرنا بأجسادنا، لكن عقولنا تجلس في مستقبل متخيل.
٢- شيال الحزن
بعد ما صحيت من حلم السفرة، خفت أفتح الكتاب. كنت عارف إني لو فتحته، هقابل الراجل ده.. شيال الألم والأحزان، اللي شايل شوال كبير على ضهره وماشي يدور على حد يشيل عنه.
ما كنتش أعرف إني أنا اللي هبقى الشيال نفسه.
فضلت ألم حزن ورا حزن، لحد ما الشوال بقى أتقل مني. كل حبيب رمى، وكل قريب غدر، وكل صاحب مشي وساب حمله علي وقال: إياك أن ترمي حمولك علي وتذهب، إننا في مركب واحدة.
بقيت ماشي في الدنيا وشايل شوال مش بتاعي، والناس شايفاني وتقولي: ما انت قوي، انت قدها. محدش قال لي: نزل الشوال ده، ارتاح.
لو انت كمان شايل شوال زي ده، اسمعني: مش كل حزن لازم تشيله. الوفاء مش إنك تشيل لحد ما ضهرك يتقطم، الوفاء إنك تحافظ على نفسك عشان تعرف تكمل.
حط الشوال.. سيبه على جنب الطريق وامشي خفيف.
٣- أنا لا أخون حزني
هناك نوع من الحزن لا يأتي كضيف، بل يأتي كرفيق سكن. يأكل معك، وينام بجانبك، ويحمل عنك الحقيبة عندما يتخلى الجميع. ومع الوقت، تنسى أنه حزن، وتظنه جزءاً من شخصيتك.
هذا ما يحدث عندما نتعرض للخذلان من القريب قبل الغريب. حينها لا يعود الحزن مجرد شعور عابر، يصبح هو الوفي الوحيد. ولهذا، نخاف من الفرح.
أصبحت أخاف من الفرح.. لا أريد أن أخون الحزن والألم.
الخوف من الفرح ليس سذاجة، ولا هو تشاؤم. إنه ولاء.
لكن الحقيقة التي لا نراها ونحن داخل المقبرة الجماعية التي أصبح عليها قلبنا، هي أن الحزن نفسه لا يريدك أن تبقى سجينه.
الحزن النبيل يأتي برسالة، رسالته هي: انتبه، هذه الدار التي كانت أجمل دار قد تغيرت، وهذا الزمان قد دار. وبمجرد أن تفهم الرسالة، يجب على الرسول أن يذهب.
أن تفرح بعد كل هذا الألم، ليس خيانة للحزن، بل هو تكريم له.
لا تقل لقلبك: انس الحزن. قل له: يا قلبي من فضلك اهدأ، سنبقي الحزن كشاهد في المحكمة، لا كسجان في الزنزانة.
الوفاء الحقيقي للحزن، هو ألا تدعه يتحول إلى مقبرة تسكن فيها، بل أن تدعه يتحول إلى أرض صلبة تقف عليها لتنظر إلى باب الفرح وتفتحه دون خوف.
يا قلبي من فضلك اهدأ.. أنا مسامحك، وأنا هنا، أنا معاك.
التعليقات