هناك نوع من التناقض لا يظهر في الكلام، بل يظهر في المواقف.
امرأة تنجح في الملاكمة، في الرياضة، في التجارة، في الإعلام، أو في أي مجال اختارت أن تثبت فيه نفسها. يصفق لها الرجال، يشاركون صورها، يكتبون تحت إنجازاتها: «فخر»، «أسطورة»، «امرأة قوية»، «نرفع لها القبعة».
لكن لو اقتربت المسألة منهم أكثر، وتحوّلت هذه المرأة من شخصية بعيدة على شاشة الهاتف إلى امرأة يمكن أن تكون زوجة، أختًا، ابنة أو فردًا من عائلتهم، قد تتغير القواعد فجأة.
المرأة التي كانوا يصفقون لها تصبح، في نظر بعضهم، «لا تصلح للزواج».
المرأة الرياضية التي احترموا قوتها تصبح فجأة «جريئة أكثر من اللازم».
والمرأة التي ظهرت في المنافسات، وصافحت الرجال، وارتدت ملابس رياضية تناسب رياضتها، ونشرت صور إنجازاتها على مواقع التواصل، تصبح في نظرهم امرأة لا يريدونها لأنفسهم، ولا يريدون لأخواتهم أو بناتهم أن يعشن حياتها.
وهنا السؤال الحقيقي ليس: لماذا تنجح المرأة بهذه الطريقة؟
بل: لماذا نحتفل بها حين تكون بعيدة عنا، ثم نحاكمها حين تصبح قريبة منا؟
لأن بعض الرجال لا يشجعون المرأة… بل يشجعون صورتهم عنها
أحيانًا لا يكون الإعجاب بالمرأة نابعًا من احترام حقيقتها، وإنما من الاستفادة من الصورة التي تمثلها.
هو يرى الملاكمة على الشاشة فيعجب بقوتها.
يرى سيدة الأعمال فيعجب بذكائها.
يرى الرياضية فيعجب بانضباطها.
يرى المرأة الناجحة فيشعر بالفخر لأنها تقدم صورة جميلة أمام الناس.
لكن هذا الإعجاب قد يكون مشروطًا ببقاء المرأة في مكان بعيد وآمن بالنسبة إليه.
طالما أنها «امرأة ناجحة هناك»، فهي رائعة.
أما عندما تصبح «امرأة ناجحة قد أرتبط بها»، تبدأ الأسئلة:
هل تقبل أن تكون أقوى مني؟
هل ستستمع إلى كلامي؟
هل ستتوقف عن السفر والمنافسة من أجلي؟
هل ستتخلى عن بعض علاقاتها المهنية؟
هل ستظل حياتها تحت سيطرتي؟
وهنا ينكشف شيء مهم: بعض الناس لا يخافون من نجاح المرأة نفسه، بل يخافون من امرأة ناجحة لا يحتاجون إلى السيطرة عليها.
وهناك تناقض آخر أكثر قسوة
قد يقول الرجل:
«أنا فخور بهذه المرأة، لقد رفعت اسم بلدها.»
ثم يقول عن امرأة من عائلته:
«لا أريدها أن تصبح مثلها.»
وهذا يعني أنه لا يحتفي بالمرأة، وإنما يحتفي بالإنجاز عندما يكون ملكًا للآخرين.
هو يريد أن يرى المرأة قوية، لكن ليس أقوى منه.
يريدها طموحة، لكن ضمن حدود.
يريدها ناجحة، لكن نجاحها لا ينبغي أن يغير موقعها في العلاقة.
يريدها جميلة ومستقلة ومثقفة، لكنه قد يشعر بالتهديد إذا كانت استقلاليتها تعني أنها تستطيع أن تقول: «لا».
وهنا لا تعود المشكلة في لباسها، ولا في مصافحتها للرجال، ولا في ظهورها على وسائل التواصل.
هذه كلها تصبح أحيانًا مجرد حجج ظاهرة لمشكلة أعمق: الخوف من فقدان السيطرة.
لماذا يشجعها إذن؟
لأن الإنسان يمكن أن يحمل فكرتين متناقضتين في الوقت نفسه.
يمكن أن يقول: «هذه المرأة عظيمة».
وفي داخله يقول: «لكنني لا أريد امرأة مثلها في بيتي».
يمكن أن يعجب بشجاعتها، لكنه لا يقبل أن تكون شجاعة أمامه.
يمكن أن يحترم استقلالها، لكنه يريد من شريكته أن تكون أكثر اعتمادًا عليه.
وهذا ليس حكرًا على الرجال وحدهم؛ فالإنسان عمومًا قادر على أن يصفق لشيء في الخارج، ثم يرفضه عندما يمس حياته الخاصة.
لكن عندما يتحول هذا التناقض إلى معيار مزدوج ضد النساء، يصبح جديرًا بالنقد.
والأغرب يحدث بعد موتها
أحيانًا تموت المرأة التي قضت سنوات في التدريب والمنافسة والعمل وبناء اسمها.
وفجأة يبدأ بعض الناس في البحث في حياتها لا ليذكروا إنجازاتها، بل ليحاكموا أخلاقها.
لا يتحدثون عن البطولات التي حققتها.
لا يتحدثون عن الساعات التي قضتها في التدريب.
لا يتحدثون عن العقبات التي تجاوزتها.
بل يبدأون في الحديث عن لباسها، صورها، علاقاتها، ظهورها، أخطائها، واختياراتها الشخصية.
كأن نجاحها أصبح غير مهم بمجرد أن ماتت.
وهنا تظهر مأساة أخرى:
لماذا نحتاج إلى موت المرأة حتى نبدأ في تشويهها بدل أن نعترف بما أنجزته وهي حية؟
إذا كانت إنجازاتها حقيقية، فلماذا نلغيها بسبب تفاصيل في حياتها لا تعجبنا؟
وإذا كانت اختياراتها خاطئة في نظر البعض، فلماذا لا نستطيع أن نقول في الوقت نفسه إنها حققت إنجازًا يستحق الاعتراف؟
ربما لأن بعض الناس لا يرون المرأة كإنسان كامل
يرونها من زاوية واحدة فقط.
هذا يراها جسدًا.
وذاك يراها زوجة محتملة.
وآخر يراها ابنة.
وآخر يراها رمزًا أخلاقيًا.
وآخر يراها شخصية على الإنترنت.
وقليلون فقط يستطيعون أن يروها كما هي:
إنسانة فيها النجاح والخطأ، القوة والضعف، الطموح والتناقض، الإنجازات والاختيارات الشخصية.
ليس مطلوبًا أن نحب كل ما تفعله المرأة حتى نعترف بما أنجزته.
يمكنك أن تختلف معها في لباسها، أو أسلوب حياتها، أو ظهورها الإعلامي، أو علاقاتها، وفي الوقت نفسه تقول بصدق:
«لقد نجحت في مجالها، وهذا إنجاز يستحق الاحترام.»
كما يمكنك أن تعجب ببطولتها دون أن ترغب في الزواج منها.
المشكلة ليست في أن ترفضها كشريكة حياة؛ فلكل شخص ذوقه وقيمه وحدوده.
المشكلة تبدأ عندما تقول:
«لا أريد امرأة مثلها»
ثم تذهب لتصفق لها عندما تكون بعيدة، وتستخدم نجاحها لتظهر بمظهر الرجل المتفتح والداعم.
هنا يصبح السؤال عن الصدق، لا عن الزواج.
في النهاية، كل واحد يراها حسب منظوره
قد يراها مدربها كملاكمة مجتهدة.
قد يراها جمهورها كرمز للقوة.
قد يراها منافسها كخصم صعب.
قد يراها رجل كمرأة جميلة قبل أن يراها كرياضية.
وقد يراها رجل آخر كتهديد لأنه لا يستطيع تخيل نفسه بجانب امرأة تملك هذه القوة والاستقلالية.
وقد تراها عائلتها بطريقة مختلفة تمامًا.
لكن المرأة نفسها قد ترى كل ذلك بطريقة أبسط:
«أنا فقط كنت أحاول أن أحقق حلمي.»
وربما هذا هو أكثر شيء يستحق التفكير فيه.
قبل أن نصف امرأة ناجحة بأنها «مُلهمة»، علينا أن نسأل أنفسنا:
هل نحترمها فعلًا؟
أم أننا نحترمها فقط ما دامت بعيدة؟
هل نريد للمرأة أن تنجح، أم نريدها أن تنجح بالطريقة التي لا تهدد أفكارنا عنها؟
هل نصفق لإنجازها لأننا نؤمن بحقها في النجاح، أم لأن نجاحها جميل عندما يكون على شاشة الهاتف؟
فالاحترام الحقيقي لا يعني أن نتفق مع كل اختيارات الإنسان.
الاحترام الحقيقي هو أن نستطيع أن نقول:
«أنا لا أختار أن أعيش حياتها، لكنني لن أنكر أنها عاشت حياتها بشجاعة وحققت شيئًا يستحق أن يُذكر.»
وهذا هو الفرق بين التشجيع الحقيقي والتصفيق المؤقت.
فبعض الناس يصفقون للمرأة الناجحة أمام الجميع…
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح هذه المرأة واحدة من نسائهم.
التعليقات